تُعد شخصية “عبد الكبير” التي جسدها الممثل السوري عبد المنعم عمايري في مسلسل “مطبخ المدينة” دراسة إنسانية عميقة ومعقدة، فهي ليست مجرد دور لشرير في عمل درامي، بل هي مرآة تعكس كيف يمكن للظروف القاسية والتربية المثقلة بالهموم أن تعيد تشكيل روح الإنسان وتحوله إلى نقيض ما كان عليه.
تبدأ حكاية “عبد الكبير”، من عقدة والده، فهذا الأب لم يكن مجرد شخصية في ماضي ابنه، بل كان “ظلاً” ثقيلاً يلاحقه بعد أن حمله والده مسؤولية فقدانه لشقيقته منذ طفولته، وعنواناً لضعف أو خذلان دفعه ليعيش حالة من التحدي الدائم مع العالم، محاولاً إثبات وجوده وسط مدينة لا ترحم الضعفاء، وفي هذا المسعى، أضاع بوصلته الأخلاقية تدريجياً.
لم يكن اندفاعه نحو طريق الجريمة قراراً مفاجئاً أو نابعاً من رغبة في الأذى المجاني، بل كان سلسلة من القرارات الإضطرارية في نظره، إذ بدأ يبرر لنفسه كل خطأ على أنه “ضرورة للبقاء”، وأصبح يرى في القتل أو التجاوز أداة “لتنظيف” طريقه من العوائق، متوهماً أنه بهذا يقيم عدالته الخاصة، بينما كان في الحقيقة يغرق أكثر في مستنقع لا خروج منه.
وهنا تتجلى عبقرية عبد المنعم في الأداء، فهو لم يقدم لنا شخصية القاتل النمطي الذي يملأ الشاشة صراخاً وتهديداً، بل قدم لنا شخصية “القاتل الهادئ”، الذي يرتكب الجريمة ببرود أعصاب يخفي خلفه براكين من الألم والندم المكبوت.
لقد كان عمايري يراهن على “الصمت” أكثر من الكلام، ففي نظرات عينيه، وفي طريقة جلوسه، وفي تلك الالتفاتات السريعة، كان يوصل لنا فكرة أن “عبد الكبير” هو إنسان مهزوز من الداخل، يحاول أن يرتدي قناع القسوة ليحمي نفسه من عالم يراه عدواً.
هذا التناقض بين القسوة الظاهرة والهشاشة الداخلية هو ما جعل الجمهور يقع في حيرة، فالمشاهد يرى بشاعة الأفعال ويدينها، لكنه في الوقت ذاته لا يملك إلا أن يشفق على هذا الإنسان الذي انتهى به الحال إلى وحش نتيجة لتراكمات لم يكن بيده التحكم فيها.
إن “مطبخ المدينة” عبر هذه الشخصية يطرح تساؤلاً وجودياً موجعاً عن المسؤولية: متى يفقد الإنسان براءته؟ وهل نحن مسؤولون عن اختياراتنا حين تضيق بنا سبل الحياة إلى هذا الحد؟ لقد استطاع عمايري أن يجعل من “عبد الكبير” أيقونة للوجع الإنساني، مذكراً إيانا بأن خلف كل فعل عنيف قصة لم تُحكَ، وأن معظم الأشرار في حياتنا ليسوا سوى أشخاص تعرضوا لكسور عميقة في أرواحهم ولم يجدوا من يداويهم، فاختاروا أن يكسروا العالم بدلاً من ذلك.

