تناولت صحيفة “جيروزاليم بوست” في تقرير موسع أسباب استمرار “الهجمات المرتبطة بإيران” ضد أهداف يهودية في بريطانيا وأوروبا، رغم العمليات الإسرائيلية الواسعة التي استهدفت قادة الاستخبارات الإيرانية وعملاء طهران في الخارج خلال حربي 2025 و2026.
اعلان
اعلان
وبحسب التقرير، الذي استند إلى مقابلات مع مصادر حالية وسابقة في الموساد، ومسؤولين بريطانيين وخبراء في مكافحة الإرهاب، فإن القضاء على شبكة بنتها إيران على مدى عقود لم يكن ممكنا خلال فترة قصيرة، حتى مع تلقيها ضربات كبيرة.
تعاون استخباراتي مستمر رغم الخلافات السياسية
ورغم التوتر السياسي والدبلوماسي المتزايد بين إسرائيل وبريطانيا منذ اندلاع الحرب بين إسرائيل وحماس عام 2023، أكدت مصادر الموساد للصحيفة أن التعاون الأمني والاستخباراتي بين الطرفين لا يزال قائما.
ويشمل ذلك التعاون بين الموساد والشاباك والجيش الإسرائيلي من جهة، وجهازي الاستخبارات البريطانيين MI5 وMI6 من جهة أخرى.
ويعد MI6 جهاز الاستخبارات الخارجية البريطاني، واسمه الرسمي “جهاز الاستخبارات السرية” (Secret Intelligence Service)، وهو المسؤول عن العمليات الاستخباراتية البريطانية خارج البلاد، بينما يتولى MI5 الأمن الداخلي ومكافحة التجسس والتهديدات داخل بريطانيا.
وقالت مصادر الموساد إن “العملاء البريطانيين والإسرائيليين يعملون معا بشكل جيد حتى عندما تصل الخلافات السياسية بين الحكومات إلى مستويات غير مسبوقة”، مضيفة أن العاملين في الأجهزة الأمنية “ينظرون إلى التهديدات الميدانية المباشرة، وليس إلى الخلافات السياسية”.
استهداف وحدات إيرانية متخصصة بالعمليات الخارجية
وأوضحت الصحيفة أن الموساد والجيش الإسرائيلي نفذا خلال حرب 2026 مع إيران وحزب الله عمليات اغتيال ضد مسؤولين كبار في وحدات 840 و1800 و4000 التابعة للحرس الثوري الإيراني، كما تمكنت إسرائيل من قتل مسؤولين في الوحدة 800.
وبحسب التقرير، فإن الوحدتين 400 و840 تتبعان “فيلق القدس” المسؤول عن العمليات الخارجية، بما في ذلك العمليات ضد أهداف يهودية وإسرائيلية حول العالم.
وكشف التقرير، أنه قبل الحرب، كانت الوحدة 400 تتولى تجنيد عناصر أجنبية وتدريبهم داخل إيران ثم إرسالهم عبر دول ثالثة لتنفيذ هجمات، بهدف إخفاء الدور الإيراني المباشر.
أما الوحدة 840 فكانت تدير العملاء والخلايا النائمة والمنظمات الإجرامية عن بعد، من دون الحاجة إلى نقل العناصر إلى إيران للتدريب.
كما أوضح التقرير أن الوحدة 800 تتولى مهام الاستخبارات الخارجية بشكل أوسع، بينما تختص الوحدة 4000 بمتابعة “الأعداء الخارجيين”.
أما الوحدة 1800 التابعة لحزب الله، فتعمل على تنسيق ودعم الفصائل الفلسطينية المسلحة، إضافة إلى نقل التمويل والتدريب والمعدات العسكرية بدعم من الحرس الثوري الإيراني.
لماذا استمرت الهجمات رغم الضربات؟
وأشار التقرير إلى أن إسرائيل نجحت خلال الحرب في قتل عشرات المسؤولين الإيرانيين الكبار، فيما عمل الموساد بالتعاون مع دول عدة على كشف واعتقال عملاء إيرانيين محليين في الخارج.
لكن، ورغم ذلك، لم تتوقف الهجمات ضد اليهود.
وقال باراك سينر، الباحث في “جمعية هنري جاكسون” ومؤسس “منتدى مستقبل الخليج”، إن الضغوط الداخلية والخارجية على إيران تدفعها إلى تصعيد أنشطتها الخارجية.
وأضاف أن طهران، مع تراجع قدرات الحرس الثوري والضغوط الاقتصادية الكبيرة، “ستحاول الرد بوسائل غير تقليدية، ما يعني زيادة في نشاط الحرس الثوري خارجيا”.
لندن مركز النشاط المرتبط بإيران
وسلطت الصحيفة الضوء على سلسلة هجمات شهدتها بريطانيا خلال الأشهر الماضية.
وفي 29 نيسان/أبريل، أصيب يهوديان في هجوم بالسكاكين في حي غولدرز غرين في لندن، وهو حي يضم عددا كبيرا من اليهود، وتم توقيف المنفذ بشبهة محاولة القتل.
وكان ذلك ثاني هجوم تصفه السلطات البريطانية بأنه “إرهابي” ضد الجالية اليهودية البريطانية خلال سبعة أشهر، بعد الهجوم على كنيس “هيتون بارك” في تشرين الأول/أكتوبر 2025، والذي قتل فيه ملفين كرافيتز وأدريان دولبي.
كما شهدت بريطانيا سلسلة عمليات حرق متعمد استهدفت مواقع مرتبطة بالجالية اليهودية ومعارضين للنظام الإيراني، وتبنتها جماعة تطلق على نفسها اسم “حركة أصحاب اليمين الإسلامية”.
وبحسب التقرير، أعلنت الجماعة مسؤوليتها عن 17 هجوما منذ 9 آذار/مارس، من بينها سبعة هجمات في لندن، بينها خمس عمليات حرق متعمد.
بريطانيا تحقق في استخدام إيران لـ”وكلاء إجراميين”
وقالت نائبة مساعد مفوض الشرطة البريطانية فيكي إيفانز إن شرطة مكافحة الإرهاب تحقق في احتمال استخدام إيران لعصابات إجرامية محلية لتنفيذ الهجمات.
كما حذرت من أن السلطات البريطانية قد تستخدم “قانون الأمن الوطني 2023” لملاحقة المتورطين، وهو قانون وضع لمواجهة التهديدات المرتبطة بالدول الأجنبية، مثل التجسس والتخريب والتدخل السياسي.
ويصل الحد الأقصى للعقوبات في بعض القضايا المرتبطة بالأمن القومي إلى السجن المؤبد، فيما قد تصل عقوبات مساعدة جهاز استخبارات أجنبي أو تنفيذ أعمال تخريب إلى السجن 14 عاما.
خبراء: استدراج مراهقين لتنفيذ الهجمات
وقال الخبير الأمني روجر ماكميلان إن ما يحدث “خطير للغاية”، موضحا أن بعض المنفذين من المراهقين الذين يتم استدراجهم عبر الإنترنت من قبل جهات لا يعرفون حقيقتها.
وأضاف أن هؤلاء “يستخدمون ثم يتم التخلي عنهم بعد تنفيذ العمليات”، مشيرا إلى أن بعضهم قد يواجه عقوبات تغير حياته بالكامل إذا حوكم بموجب قانون الأمن الوطني البريطاني.
انتقادات لبريطانيا بسبب عدم حظر “الحرس الثوري”
واتهم باراك سينر الحكومة البريطانية بالتناقض، قائلا إن شرطة لندن تتعامل بجدية مع التهديد، بينما ترفض الحكومة البريطانية حتى الآن تصنيف الحرس الثوري الإيراني “منظمة إرهابية”.
وأضاف أن جماعة “حركة أصحاب اليمين الإسلامية” تعمل “بطريقة مشابهة للحرس الثوري، سواء من حيث الأهداف أو استخدام شبكات إجرامية وتطبيق تلغرام”.
الموساد: أوروبا لا تزال آمنة نسبيا لليهود
ورغم تصاعد التهديدات، قالت مصادر الموساد إن الجاليات اليهودية في بريطانيا وهولندا وألمانيا ما تزال “آمنة بشكل عام”، مؤكدة أن أجهزة الاستخبارات الأوروبية تعمل مع إسرائيل لمحاولة حماية اليهود والمواقع المرتبطة بهم.
لكن التقرير أشار أيضا إلى وجود مخاوف إسرائيلية بشأن بعض الدول الأوروبية، مثل إسبانيا، بسبب السماح بنشر مواقع إلكترونية تتعقب الأعمال التجارية اليهودية وتخلط بين اليهود والإسرائيليين.
محاولة استهداف القنصلية الإسرائيلية في إسطنبول
وتطرق التقرير إلى محاولة هجوم نفذها عملاء محليون مدعومون من إيران ضد القنصلية الإسرائيلية في إسطنبول في 7 نيسان/أبريل.
وقالت مصادر الموساد إن العملية كانت “يائسة وغير احترافية”، موضحة أن المهاجمين استهدفوا الجهة الخلفية من القنصلية رغم أنها كانت مغلقة منذ فترة.
وأضافت المصادر أن المنفذين “كانوا يطلقون النار بشكل عشوائي فقط لإظهار نوع من القوة”، مشيرة إلى أن إيران باتت تعتمد على “أي جهة محلية مستعدة للعمل مقابل المال أو لأي دافع آخر”.
“العمل مقابل المال”
ووصف ديف ريتش، رئيس السياسات في “صندوق أمن المجتمع” البريطاني، هذا النمط الجديد بأنه “إرهاب اقتصاد العمل الحر”، في إشارة إلى اعتماد إيران، بحسب قوله، على مجرمين محليين غير مرتبطين بها أيديولوجيا لتنفيذ هجمات مقابل المال.
وأشار ريتش إلى أن هذا الأسلوب يعكس، من وجهة نظره، تراجعا في القدرات الإيرانية مقارنة بعمليات سابقة نفذتها مجموعات مرتبطة مباشرة بإيران أو حزب الله، مثل تفجير مركز AMIA اليهودي في الأرجنتين أو تفجير بورغاس في بلغاريا.
إجراءات أمنية داخل الجالية اليهودية
وعقب الهجمات الأخيرة، عززت مجموعات أمنية يهودية في بريطانيا إجراءات الحماية حول الكنس والمدارس والمراكز المجتمعية.
كما صدرت تعليمات أمنية شملت إبقاء أبواب الكنس مغلقة، وعدم نشر جداول الصلاة خارج المباني، والإبلاغ الفوري عن أي سلوك مشبوه.
الموساد ينتقد الموقف البريطاني تجاه إيران
وفي ختام التقرير، نقلت “جيروزاليم بوست” عن مصادر في الموساد قولها إن السلطات البريطانية “لا تزال ضعيفة جدا في تعاملها مع إيران”، معتبرة أن لندن لا تنظر إلى إيران كتهديد مباشر لها بالقدر الكافي.
وخلص التقرير إلى أنه رغم الضربات الإسرائيلية الواسعة ضد قادة الشبكات المرتبطة بإيران، واستمرار التعاون الاستخباراتي بين الموساد وMI6، فإن الهجمات المرتبطة بإيران ضد اليهود في بريطانيا “لن تختفي قريبا” ما لم تعتمد الحكومة البريطانية سياسة أكثر تشددا واستمرارية تجاه طهران.

