نشرت في
وصل وزير العدل الفرنسي جيرالد دارمانان إلى الجزائر العاصمة الاثنين، حاملاً رسالة فتح “فصل جديد” في التعاون القضائي بين باريس والجزائر، في خطوة تهدف صراحة إلى نزع فتيل أزمة دبلوماسية حادة عصفت بالعلاقة بين البلدين منذ عام 2024.
اعلان
اعلان
وتأتي هذه الزيارة تتويجاً لمسار تصاعدي بدأ بوادره بالظهور عبر تحركات وزارية فرنسية سابقة ساهمت في تلطيف الأجواء المتوترة بين البلدين.
وكان في استقباله نظيره الجزائري لطفي بوجمعة، فيما لم يستبعد المراقبون إمكانية عقد لقاء مع الرئيس تبون نفسه لتعزيز زخم هذه الزيارة.
وأعلن دارمانان في العاصمة الجزائرية أنه بحث مع الرئيس عبد المجيد تبون سبل إصلاح العلاقات بين البلدين والتي تشهد تهدئة بعد أزمة استمرت عامين.
وقال دارمانان “تحدثنا عن العمل الذي علينا مواصلة القيام به لإعادة بناء الثقة بين بلدين يحترم كل منهما الآخر، فرنسا والجزائر”، لافتا الى أنه أجرى “نقاشا طويلا جدا” مع تبون.
ولم تكن زيارة دارمانان منعزلة، بل جاءت في سياق جهود متواصلة لإعادة بناء جسور الثقة. فقد مهدت زيارة وزير الداخلية الفرنسي لوران نونيز في منتصف شباط/فبراير الطريق، تبعها قدوم الوزيرة المنتدبة لدى وزارة الجيوش أليس روفو في أيار/مايو الماضي.
ورأى موقع “كل شيء عن الجزائر” الناطق بالفرنسية أن الرهان الحالي يتجاوز مجرد معالجة الملفات المتراكمة ذات الأهمية الحيوية للطرفين، ليركز بشكل جوهري على استعادة الثقة التي اهتزت بشدة جراء الأزمة الخطيرة التي اندلعت صيف 2024 بسبب دعم باريس لخطة الحكم الذاتي “تحت السيادة المغربية” لإقليم الصحراء الغربية، وهو ما دفع الجزائر حينها لسحب سفيرها من فرنسا فوراً.
ملف الصحافي غليز على طاولة المفاوضات
في قلب جدول أعمال الوزير الفرنسي، تبرز القضية الإنسانية والقضائية للصحافي الفرنسي كريستوف غليز، المحكوم عليه بالسجن سبع سنوات في الجزائر بتهمة “تمجيد الإرهاب”.
وكان غليز قد ألقي القبض عليه في أيار/مايو 2024 أثناء ممارسة عمله الصحفي. وأكدت وزارة العدل الفرنسية أن النقاش سيتناول هذه القضية الحساسة ضمن ملفات فردية أخرى، مشيرة إلى أن الأولوية القصوى تكمن في إحياء التعاون القضائي الذي “تباطأ بشكل كبير” وتخطي مرحلة “انعدام التعاون لأسباب دبلوماسية”.
وقد سبق هذا التطور اتفاق تم التوصل إليه خلال اجتماع جمع الوزيرة روفو بالرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، سمح بدخول دبلوماسي فرنسي لزيارة غليز في محبسه، وهو ما تم تنفيذه فعلياً.
مؤشرات أمنية وإجراءات قنصلية متسارعة
تعكس الأرضية الميدانية تحسناً ملحوظاً في المناخ العام للعلاقات، وهو ما أكده وزير الداخلية الفرنسي لوران نونيز في مقابلة نشرتها وسائل الإعلام الأحد، معلناً أن نظيره الجزائري سعيد سيود سيتوجه إلى باريس خلال “أيام قليلة”.
ووصف نونيز هذه الخطوة بأنها “إشارة إيجابية للغاية”، مؤكداً أن “التعاون الأمني يُعاد بناؤه تدريجياً”، ومشدداً على تأثير هذه العلاقات المباشر على “ملايين الأشخاص على ضفتي البحر الأبيض المتوسط”.
ويتجلى هذا الانفراج عملياً في الارتفاع الكبير في أعداد تصاريح القنصلية الخاصة بترحيل أفراد مصنفين كـ “خطرين” من فرنسا إلى الجزائر؛ حيث قفزت الأرقام من الصفر إلى مئات الحالات في الأشهر الأخيرة فقط، مما يعكس عودة عجلة التعاون الأمني للدوران بعد توقف دام طويلاً.
ويمتد نطاق التعاون المقترح ليشمل ملفات جنائية معقدة، أبرزها قضية شبكة “دي زد مافيا” الإجرامية المنبثقة من مدينة مرسيليا الفرنسية واللجوء بعض قادتها إلى الأراضي الجزائرية.
وقد قدمت السلطات الفرنسية نحو عشرة طلبات للمساعدة القانونية المتبادلة لاستهداف رؤوس هذه الشبكة. ويذكر في هذا السياق نجاح فرنسا السابق في الحصول على أمر تسليم فيليكس بينغي، زعيم عصابة “يودا” المنافسة، من المملكة المغربية.
ولأول مرة، يرافق وزير العدل الفرنسي في هذه المهمة المدعي العام المالي الوطني باسكال براش، وهو قاضٍ رفيع المستوى، بهدف النظر في الطلبات الجزائرية المتعلقة بالأصول التي استحوذت عليها فرنسا خلال الحقبة الاستعمارية.
كما سيتم بحث مصير موظف قنصلي جزائري محتجز رهن المحاكمة في فرنسا، مع التأكيد على منح الرجل حقوق الزيارة الكاملة مع الالتزام الصارم باستقلالية القضاء.
صدى سياسي وردود فعل متباينة
وعلى الصعيد السياسي الداخلي في فرنسا، لا تزال القضية الجزائرية تثير جدلاً واسعاً. ففي 27 نيسان/أبريل، وجه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون انتقادات لاذعة لمن يدعو إلى تشديد الموقف ضد الحكومة الجزائرية، مندداً بـ “جميع المجانين” الذين يسعون إلى “القطيعة مع الجزائر”.
وفي المقابل، جاء الرد حاداً من برونو ريتايو، زعيم حزب الجمهوريين اليميني ووزير الداخلية السابق، الذي شعر بأن تصريحات ماكرون تستهدفه مباشرة.
وقال ريتايو إن “سياسة النوايا الحسنة محكوم عليها بالفشل مع وجود النظام في الجزائر”، مضيفاً أنه “لا جرح تاريخي يمنح قادته الحق في إذلال فرنسا وإهانتها”.
وتبقى هذه التصريحات المتباينة شاهداً على حساسية الملف الجزائري في المشهد السياسي الفرنسي، رغم الجهود الدبلوماسية المبذولة حالياً لطي صفحة الخلافات.

