تبدو الشكوى المقدمة ضد مسلسل “الفرنساوي” مثيرة للجدل من حيث الأساس، لأنها تطرح مرة أخرى سؤالاً قديماً حول حدود الرقابة على الأعمال الدرامية، لكنها في هذه الحالة تبدو أقرب إلى توسيع غير مبرر لفكرة الاعتراض على عمل فني يفترض أنه قائم على الخيال، وليس على نقل الواقع كما هو.
فالقول إن المسلسل “يسيء إلى مهنة المحاماة” أو “يتعدى على علامة تجارية مسجلة” يبدو طرحاً واسعاً أكثر مما ينبغي، خصوصاً أن العمل، بحسب ما هو معروف عنه، يقدم شخصية درامية خيالية، وليست نسخة مباشرة عن مكتب محاماة محدد أو شخص بعينه، فالدراما بطبيعتها تعتمد على بناء شخصيات مركبة، قد تستلهم من الواقع لكنها لا تعكسه بشكل حرفي أو مباشر.
المشكلة في هكذا شكاوى هي أنها قد تفتح الباب أمام نوع من التوسع في تقديم الاعتراضات على الأعمال الفنية، حتى في الحالات التي لا يوجد فيها دليل واضح على الاستهداف أو الإساءة المباشرة. وهذا قد يؤدي إلى تحويل أي عمل درامي إلى هدف محتمل للشكوى، فقط لأن بعض التفاصيل فيه قد تُفهم بشكل شخصي أو مختلف.
كما أن التعامل مع الدراما وكأنها وثيقة واقعية دقيقة يتجاهل طبيعتها الأساسية، فهي ليست تقريراً عن المهن أو المؤسسات، بل مساحة للخيال وإعادة صياغة الواقع بشكل فني، بهدف طرح أفكار أو إثارة نقاشات اجتماعية، وليس إصدار أحكام نهائية على مهنة أو جهة معينة.
وفي الوقت نفسه، لا أحد ينكر أهمية وجود رقابة تنظيمية لضبط المحتوى ومنع التجاوزات الحقيقية، لكن المشكلة تظهر عندما تصبح كل شكوى سبباً تلقائياً للتحقيق، حتى من دون وجود دلالات واضحة أو مباشرة لا تحتمل التأويل. عندها قد يتحول الأمر من حماية إلى تضييق على حرية الإبداع.
في النهاية، القضية لا تتعلق بمسلسل واحد فقط، بل تتعلق بالتوازن بين حق الجهات المهنية في حماية صورتها وسمعتها، وبين حق الدراما في استخدام الخيال والتعبير بحرية، وهذا توازن حساس لا يجب أن يُحسم دائماً لصالح تقييد الأعمال الفنية.

