كتب – أحمد رزق : في كشف أثري جديد يعزز مكانة مصر كواحدة من أهم الدول الحاضنة للتراث الإنساني، أعلنت وزارة السياحة والآثار عن نجاح البعثة الأثرية المصرية التابعة للمجلس الأعلى للآثار في الكشف عن أول أثاث جنائزي شبه متكامل بموقع مقبرة «بانحسي» بمنطقة آثار المطرية في عين شمس، وذلك ضمن أعمال الحفائر الجارية بجبانة هليوبوليس التاريخية، التي تعد من أقدم وأهم المراكز الدينية في العالم القديم.
ويحمل الكشف أهمية استثنائية، إذ أسفرت أعمال التنقيب عن العثور على خبيئة أثرية فريدة تضم مجموعة متكاملة من الأدوات واللقى الجنائزية المرتبطة بطقوس الدفن والمعتقدات الدينية في مصر القديمة، بما يفتح آفاقًا جديدة لفهم الحياة الاجتماعية والروحية لسكان مدينة «أون» القديمة، المعروفة تاريخيًا باسم هليوبوليس.
وأكد شريف فتحي، وزير السياحة والآثار، أن المكتشفات الجديدة تمثل إضافة علمية مهمة لسجل الاكتشافات الأثرية المصرية، وتعكس نجاح البعثات الوطنية في إعادة قراءة تاريخ هليوبوليس الحضاري والكشف عن أسرارها المدفونة منذ آلاف السنين، مشيرًا إلى أن النتائج تسهم في رسم صورة أكثر وضوحًا للممارسات الجنائزية والعقائدية التي شهدتها المنطقة عبر عصور تاريخية متعاقبة.
وكشفت أعمال الحفر عن دفنة مبنية من الطوب اللبن تحتوي على بقايا عظام آدمية، وأسفلها خبيئة أثرية ضمت مرآة نحاسية، ومكحلتين من مرمر الألباستر لا تزالان تحتفظان ببقايا من مادة الكحل، إلى جانب مكحلة ثالثة مصنوعة من حجر الأوبسديان الأسود النادر، ما يعكس مستوى متقدمًا من استخدام أدوات الزينة في تلك الفترة.
كما عثرت البعثة على إناءين من الفيانس الأزرق، احتوى أحدهما على ستة جعارين رمزية مزخرفة، من بينها جعرانان محاطان بإطار معدني أصفر اللون يُرجح أنه من الذهب، إضافة إلى مجموعة متنوعة من التمائم الرمزية وأحجار شبه كريمة، بينها قطع من العقيق الأحمر والأخضر، بعضها مزين بأطر معدنية يُعتقد أنها ذهبية.
ومن أبرز المكتشفات أيضًا العثور على خمسة أزواج من الأقراط المعدنية ذات اللون الأصفر بأحجام مختلفة، يُرجح أنها مصنوعة من الذهب، وهو ما يعكس المكانة الاجتماعية الرفيعة لأصحاب الدفنات المكتشفة.
ويأتي هذا الكشف استكمالًا لنتائج حفائر الموسم الحالي بالموقع، والتي شهدت العثور على منشآت جنائزية من الطوب اللبن والحجر الجيري، وتابوتين أحدهما يحمل زخارف مذهبة ورفات يُعتقد أنها تعود لشخصية عسكرية، بالإضافة إلى عملة معدنية يُحتمل أنها من العصر الروماني وكتل حجرية منقوشة بالهيروغليفية.
وتبرز أهمية جبانة «بانحسي» باعتبارها سجلًا أثريًا متكاملًا يوثق تعاقب الحضارات والعصور على المنطقة، حيث استُخدمت للدفن خلال العصور المتأخرة والعصر الروماني وحتى الفترات المسيحية، ما يجعلها مصدرًا غنيًا لدراسة التطور الديني والاجتماعي في هليوبوليس، المدينة التي كانت المركز الرئيسي لعبادة الإله رع وإحدى أهم المدن المقدسة في مصر القديمة.
ويؤكد هذا الاكتشاف أن أرض مصر ما زالت تخبئ بين طبقاتها المزيد من الأسرار الحضارية، فيما تواصل البعثات المصرية جهودها للكشف عن صفحات جديدة من تاريخ الإنسانية الممتد عبر آلاف السنين.
إقرأ أيضاً :

