كتب – أحمد رزق : في خطوة تتجاوز فكرة الزيارة التقليدية للمتحف، أطلقت وزارة السياحة والآثار، ممثلة في المجلس الأعلى للآثار، فعاليات النشاط الصيفي لعام 2026 بعدد من متاحف الآثار على مستوى الجمهورية، عبر برامج تعليمية وثقافية وفنية وتدريبية تستهدف الأطفال والشباب وطلاب الجامعات والجمهور العام.
وتكتسب هذه الفعاليات أهمية خاصة من منظور السياحة الثقافية، إذ تعيد تقديم المتحف باعتباره مساحة حية للتعلم والإبداع والتفاعل، وليس مجرد مكان لعرض القطع الأثرية، بما يفتح الباب أمام بناء علاقة أكثر عمقًا بين المجتمع المصري وتراثه، وفي الوقت نفسه يهيئ جيلًا جديدًا من الزوار والسائحين المحتملين للمواقع والمتاحف الأثرية.
المتاحف.. منتج سياحي يتجاوز العرض التقليدي
ويؤكد إطلاق النشاط الصيفي أن تطوير المنتج الثقافي لم يعد يعتمد فقط على زيادة أعداد القطع المعروضة أو تحديث قاعات المتاحف، وإنما أصبح مرتبطًا بقدرة المؤسسات المتحفية على تقديم تجارب متكاملة تجمع بين المعرفة والترفيه والفنون والتفاعل المباشر.
وهذه الرؤية تمثل عنصرًا مهمًا في دعم السياحة الثقافية المصرية، خصوصًا أن السائح الحديث يبحث بصورة متزايدة عن التجربة وليس المشاهدة فقط، وهو ما يجعل ورش الحرف القديمة، والحكي، والفنون، والبرامج التفاعلية، والأنشطة الموجهة للأطفال والشباب، أدوات يمكن توظيفها في تطوير المنتج السياحي وزيادة مدة الزيارة وتعزيز جاذبية المتاحف.
وأكد الدكتور هشام الليثي، الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، أن تنظيم الفعاليات يأتي في إطار استراتيجية المجلس لتعزيز الدور الثقافي والتعليمي للمتاحف وتحويلها إلى منصات للتعلم والتفاعل المجتمعي، بما يسهم في نشر الوعي بقيمة التراث الحضاري ودعم جهود الدولة في تحقيق التنمية المستدامة.
«رواد الحضارة».. الاستثمار في العنصر البشري
ومن أبرز جوانب النشاط الصيفي البرنامج التدريبي «رواد الحضارة» في متحف قصر الأمير محمد علي بالمنيل، والذي يستهدف طلاب وخريجي الجامعات في مجالات الآثار والإرشاد السياحي والمتاحف والتراث والتاريخ.
ويمثل هذا النوع من البرامج استثمارًا مباشرًا في رأس المال البشري لقطاع السياحة، فالسياحة الثقافية لا تعتمد على المواقع الأثرية وحدها، وإنما تحتاج إلى مرشدين ومتخصصين وأمناء متاحف وقائمين على إدارة التجارب الثقافية قادرين على تحويل التاريخ إلى قصة جذابة يفهمها الزائر ويتفاعل معها.
ويشارك في البرنامج عدد من الخبراء والمتخصصين، مع تنظيم محاضرات وزيارات ميدانية لمتاحف ومواقع أثرية، بما يمنح المشاركين معرفة نظرية وتطبيقية يمكن أن تنعكس مستقبلًا على جودة الخدمات السياحية والثقافية.
كما أعلن متحف قصر الأمير محمد علي عن برنامج «حكاية متحف»، الذي يقدم للطلاب تعريفًا بتاريخ المتحف وقيمته المعمارية والفنية، إلى جانب تطبيقات عملية حول أساليب العمل المتحفي الحديثة.
من «حجر رشيد» إلى تجربة سياحية متكاملة
وفي متحف إيمحتب بسقارة، خرج النشاط الثقافي من جدران المتحف إلى الجمهور من خلال كرنفال «إيمحتب وحكاية حجر رشيد» بشارع الفن في وسط القاهرة.
وتبرز أهمية هذه التجربة في قدرتها على تحويل قطعة أثرية ذات شهرة عالمية إلى مدخل للتفاعل الجماهيري، من خلال ورش الكتابة بالخط الهيروغليفي والرسم الزخرفي والحكي بالعرائس، إلى جانب تعليم صناعة الزجاج والفيانس والعروض الفنية والموسيقية.
ومن منظور التسويق السياحي، يمثل هذا النموذج فرصة لتقديم الحضارة المصرية بأساليب عصرية تصل إلى الجمهور الذي ربما لا يضع زيارة المتحف ضمن أولوياته، ثم تحويل الاهتمام الناتج عن الفعالية إلى رغبة في زيارة المتحف والموقع الأثري المرتبط به.
الحرف التراثية.. جسر بين السياحة والثقافة والاستثمار
ويحمل البرنامج الصيفي للمتحف المصري بالتحرير جانبًا آخر من الأهمية، من خلال ورش «أنامل مبدعة» للتعريف بفنون النسيج في مصر القديمة، و«زينة الأجداد» للتعرف على الحلي المصرية القديمة واستلهام تصميماتها.
ولا تقتصر أهمية هذه الورش على الجانب التعليمي، وإنما تمتد إلى إمكانية دعم الصناعات والحرف التراثية وربطها بالسياحة الثقافية، خصوصًا إذا جرى تطوير هذه التجارب لتشمل منتجات مستوحاة من التراث المصري يمكن للسائح اقتناؤها، بما يخلق حلقة وصل بين المتحف والحرفيين والمشروعات الصغيرة والأسواق السياحية.
وبذلك يمكن للتراث أن يتحول من قيمة تاريخية محفوظة داخل الفتارين إلى مصدر اقتصادي مستدام يدعم المجتمعات المحلية ويخلق فرصًا للعمل والإنتاج والتسويق.
السياحة تبدأ من الداخل
ومن الزوايا المهمة التي يطرحها النشاط الصيفي أن بناء السياحة الثقافية لا يبدأ من السائح الأجنبي فقط، وإنما من المواطن المصري نفسه.
فكلما زادت معرفة الأطفال والشباب بتاريخ بلادهم، أصبحوا أكثر ارتباطًا بالمواقع والمتاحف الأثرية وأكثر قدرة على تقديم الثقافة المصرية للزائر الأجنبي، وهو ما يحول الوعي بالتراث إلى عنصر من عناصر القوة الناعمة والترويج السياحي.
وتكتسب برامج الزيارات والتدريب الموجهة لطلاب الجامعات أهمية مضاعفة، لأنها تخلق جسرًا بين التعليم والسياحة، وتمنح الشباب فرصة لاكتشاف المواقع الأثرية باعتبارها جزءًا من الهوية الوطنية ومنظومة اقتصادية قادرة على توفير فرص عمل.
«السياحة للجميع».. الإتاحة تتحول إلى قيمة سياحية
ومن أبرز التجارب اللافتة مبادرة «منارة» بالمتحف المصري بالتحرير، بالتعاون مع الإدارة العامة للوعي الأثري ومركز Ability وكيان «إشارة سلام» بوزارة الشباب والرياضة، بمشاركة 30 من الصم وضعاف السمع.
وتضمنت المبادرة جولة إرشادية داخل قاعات العرض مترجمة بالكامل إلى لغة الإشارة، بما يعكس اتجاهًا متزايدًا نحو جعل المتاحف أكثر إتاحة ودمجًا لمختلف فئات المجتمع.
وهذه الخطوة تحمل أيضًا بعدًا سياحيًا، لأن مفهوم السياحة المتاحة يشكل أحد المجالات التي يمكن لمصر تطويرها بصورة أكبر، سواء من خلال لغة الإشارة أو المسارات المناسبة لذوي الإعاقة أو الوسائط الرقمية والتقنيات التفاعلية.
فرصة لتطوير المنتج السياحي الثقافي
وتكشف فعاليات النشاط الصيفي عن فرصة أوسع أمام قطاع السياحة المصرية لإعادة صياغة تجربة زيارة المتحف ضمن برامج سياحية متكاملة.
فبدلًا من أن تكون الزيارة محطة قصيرة ضمن برنامج سياحي، يمكن أن تتحول إلى تجربة تمتد لعدة ساعات، تجمع بين مشاهدة الآثار وحضور ورشة فنية وتجربة حرفة تراثية والاستماع إلى الحكايات التاريخية، مع إتاحة منتجات تذكارية مستوحاة من القطع الأثرية.
كما يمكن مستقبلاً توسيع التعاون بين المتاحف وشركات السياحة والفنادق وشركات تنظيم الفعاليات، لإدراج هذه البرامج ضمن أجندة السياحة الداخلية والوافدة، خصوصًا خلال فترات الصيف والإجازات.
وبهذا المعنى، فإن النشاط الصيفي لعام 2026 لا يمثل مجرد أجندة من الفعاليات للأطفال والطلاب، وإنما يمكن النظر إليه باعتباره تجربة أولية لإعادة تعريف وظيفة المتحف داخل المنظومة السياحية المصرية.
فالمتحف الذي ينجح في جذب الطفل اليوم، قد يصنع سائحًا مصريًا أكثر وعيًا غدًا، كما أن الشاب الذي يتلقى تدريبًا في الآثار أو الإرشاد السياحي يمكن أن يتحول إلى سفير للحضارة المصرية في المستقبل.
وتبقى القيمة الأكبر لهذه الفعاليات في قدرتها على الجمع بين حماية التراث، وتنمية الوعي، وتأهيل الكوادر، ودعم الحرف، وتطوير التجربة السياحية؛ وهي عناصر إذا جرى البناء عليها ضمن استراتيجية متكاملة، يمكن أن تجعل المتاحف المصرية جزءًا أكثر تأثيرًا في زيادة الطلب على السياحة الثقافية وتعظيم العائد الاقتصادي من التراث.
ومن هنا، فإن الاستثمار الحقيقي في المتاحف لا يقاس فقط بما تنفقه الدولة على تطوير المباني وقاعات العرض، وإنما أيضًا بما تستطيع هذه المؤسسات أن تصنعه من جمهور جديد، وكوادر مؤهلة، وتجارب سياحية مبتكرة، وفرص استثمارية مرتبطة بالتراث المصري.
إقرأ أيضاً :

