هل ينجح الذكاء الاصطناعي في إنقاذ تجارة الملابس أونلاين؟
قد يبدو شراء الملابس عبر الإنترنت خياراً مريحاً وسريعاً، لكنه يتحول في كثير من الأحيان إلى تجربة مليئة بالتخمين بالنسبة للمتسوقين، وإلى تحدٍ مُكلف بالنسبة إلى شركات الأزياء. فعندما لا يكون المستهلك واثقاً من المقاس الأنسب له، فإنه قد يلجأ إلى طلب أكثر من مقاس للقطعة نفسها، على أن يعيد لاحقاً ما لا يناسبه.
وبينما تبدو هذه الممارسة بسيطة من وجهة نظر المتسوق، إلا أنها تفرض على قطاع الأزياء كلفة مالية متزايدة، مع تحمّل شركات الملابس أعباء الشحن والإرجاع والخدمات اللوجستية الأخرى المرتبطة بهذه العملية.
وبحسب تقرير أعدته “بلومبرغ” واطّلع عليه موقع “اقتصاد سكاي نيوز عربية”، فإن عادة إرجاع الملابس التي تم شراؤها عبر الإنترنت، تُكلّف صناعة الملابس مليارات الدولارات سنوياً، وتُنتج كميات هائلة من النفايات، لتصبح كلفة ما يحدث بعد إتمام عملية البيع عاملاً لا يقل أهمية عن تحقيق البيع نفسه.
وبذلك، باتت معادلة النجاح في تجارة بيع الملابس عبر الإنترنت لا ترتكز فقط على تحقيق مبيعات مرتفعة، بل على الحرص على عدم حصول عمليات إرجاع، إذ إن ارتفاع معدلات إرجاع الثياب يؤدي إلى تآكل هوامش الربح، فضلاً عن الأعباء البيئية الناتجة عن عمليات النقل والتغليف والتخلص من الثياب.
وفي ظل هذه الخسائر المتزايدة، يعوّل قطاع الأزياء على الذكاء الاصطناعي لمساعدة المتسوقين في اختيار المقاسات المناسبة لهم عند شراء الملابس عبر الإنترنت، حيث تسعى العلامات التجارية اليوم إلى توظيف تقنيات مدعومة بالذكاء الاصطناعي تتيح للمتسوق تجربة الملابس افتراضياً والتأكد من أنها تناسبه قبل شرائها وذلك من خلال ما يُعرف بـ”غرف القياس الافتراضية”، وهو الحل الذي قد يقلل من معدلات إرجاع الملابس ويخفف الخسائر المرتبطة بها.
ما هي “غرف القياس الافتراضية”؟
“غرف القياس الافتراضية” هي تقنيات رقمية متطورة تعتمد على الذكاء الاصطناعي وتقنيات الواقع المعزز، وتتيح للمتسوقين رؤية كيف ستبدو قطعة الملابس على أجسادهم رقمياً قبل اتخاذ قرار الشراء.
وتعمل هذه التقنية عبر محاكاة أبعاد الجسم الدقيقة للمستهلك باستخدام صوره والقياسات التي أدخلها، حيث يقوم الذكاء الاصطناعي بمعالجة هذه المعلومات وإنشاء نموذج ثلاثي الأبعاد (Avatar) يعرض كيفية انسياب قطعة الملابس على جسمه، بما يتيح له تصور شكلها وملاءمتها قبل إتمام عملية الشراء.
ولا تقتصر الفكرة على إظهار شكل الملابس، بل يمكن لبعض “غرف القياس الافتراضية” تقديم توصيات بشأن المقاس الأنسب لكل قطعة ثياب، وذلك اعتماداً على خصائص المنتج، أي نوع القماش، اللون، طريقة التصميم.
وبدلاً من التخمين والمجازفة بطلب مقاسات متعددة، توفر “غرف القياس الافتراضية” تجربة تفاعلية تحاكي الواقع تماماً مما يساعد المستهلك على اختيار المقاس بدقة متناهية من المرة الأولى.
نحو واقعية أكبر
و”غرف القياس الافتراضية” ليست تقنية جديدة بالكامل، بل هي واقع موجود تستخدمه حالياً عدة منصات لتجارة الأزياء، غير أن هذه التقنية بصيغتها الراهنة لا تزال بحاجة إلى تحسينات جوهرية تمكنها من تجاوز ثغراتها التشغيلية، لا سيما في محاكاة مرونة الأقمشة وانسيابيتها على الجسم.
وهنا يبرز الرهان على الذكاء الاصطناعي التوليدي لإحداث نقلة نوعية في المجال، حيث تتيح هذه التكنولوجيا معالجة البيانات المعقدة للأقمشة وأبعاد الأجسام بدقة متناهية، مما يرفع كفاءة التجربة الافتراضية وينقلها من مجرد التخمين البصري إلى المحاكاة الواقعية المطابقة للحقيقة.
وفي هذا السياق، يوضح غويانغ شيونغ، أستاذ التسويق في جامعة سيراكيوز والمشارك في إعداد دراسة حول “غرف القياس الافتراضية”، أن الكثير من تجار التجزئة والمديرين يتوقعون أن تكون التجربة التي توفّرها “غرف القياس الافتراضية” واقعية قدر الإمكان، إلا أن الدراسة بيّنت أن هذا الأمر ليس صحيحاً تماماً.
تجربة غير مريحة للبعض
إلى جانب التحديات التقنية، تثير “غرف القياس الافتراضية” تساؤلات جادة حول الخصوصية ومخاوف المتسوقين من طريقة التعامل مع صورهم وبيانات قياساتهم وأماكن تخزينها. يضاف إلى ذلك الشعور بعدم الارتياح الذي انتاب عدداً من المستخدمين عند إسقاط وجوههم على الشخصيات ثلاثية الأبعاد (Avatar) التي تُجسد شكل أجسادهم، إذ وصف البعض التجربة بأنها أشبه بالنظر إلى الذات عارياً في المرآة، وهو ما دفع العديد من شركات الملابس للتوجه نحو أشكال Avatar أكثر غموضاً ورمزية.
ولا تقتصر المشكلة على الخصوصية، إذ قد يكون انعكاس صورة الجسم على الشاشة مصدر شعور بعدم الارتياح لدى بعض المتسوقين، خصوصاً من لديهم حساسية تجاه شكل أجسامهم، حيث تكشف الدراسة التي أجراها غويانغ شيونغ، أستاذ التسويق في جامعة سيراكيوز حول “غرف القياس الافتراضية”، أن المتسوقين ذوي الوزن الأقل أقبلوا على الشراء بدرجة أكبر عند استخدام “غرف القياس الافتراضية”، بينما كان الأشخاص الذين يعانون من السمنة أكثر تردداً في الشراء. ويعتقد شيونغ أن بعض المتسوقين يحمون صورتهم الذاتية عبر تحميل الملابس مسؤولية عدم ملاءمتها، بدلاً من اعتبار المشكلة مرتبطة بأجسامهم.
تكلفة الـ 40 بالمئة
وتقول ساره ملحم وهي مستشارة سلوك المستهلك ومالكة لمتجر ملابس، في حديث لموقع “اقتصاد سكاي نيوز عربية”، إن مرتجعات التجارة الإلكترونية في قطاع الأزياء باتت مشكلة مالية وبيئية مربكة للقطاع بأكمله، حيث تُشير بعض التقديرات والبيانات المالية إلى أن معدل إرجاع الملابس المشتراة عبر الإنترنت يتراوح بين 30% إلى 40%، وهي نسبة مرتفعة جداً مقارنة بنسبة 8% إلى 10% فقط في المتاجر التقليدية، في حين تُظهر البيانات أن معالجة قطعة الملابس المُعادة تكلف التاجر نحو 66% من قيمتها الأصلية لتغطية اللوجستيات العكسية، مما يكبد قطاع الأزياء عالمياً عشرات الملايين من الدولارات يومياً، ويجبر الشركات على التخلص من مليارات الدولارات من البضائع المرتجعة سنوياً لتعذر إعادة بيعها بربحية.
رحلة الملابس بعد الإرجاع
وبحسب ملحم فإن ما يجهله الكثيرون هو أن كلفة معالجة قطعة الثياب المُعادة غالباً ما تتجاوز قيمتها التجميعية، مما يدفع العديد من كبرى الشركات العالمية إلى اتخاذ قرار مؤلم وهو التخلص من المرتجعات بدلاً من إعادة عرضها للبيع، وذلك كون هذا الإجراء أقل كلفة عليها من الناحية المالية، لافتةً إلى أن ملايين الأطنان من الملابس المُعادة، ترمى سنوياً في المكبات أو يتم تُوجيهها للمحارق، لتتحول المشكلة من نزيف مالي إلى أزمة بيئية تفاقم حجم الانبعاثات الكربونية والنفايات الاستهلاكية سنوياً.
الحاجة إلى حل
وتشدد ملحم على أن قطاع الملابس هو الأكثر تأثراً بظاهرة المرتجعات أونلاين، كون اختيار المقاس المناسب للثياب عبر الشاشة، أكثر تعقيداً مقارنة بشراء أجهزة إلكترونية مثلاً، ومن هذا المنطلق فإن أي تقنية تنجح في رفع دقة قرار شراء الملابس أونلاين من المرة الأولى ستكون لها قيمة اقتصادية عالية، لأنها ستساعد في الحد من عمليات إعادة البضائع وما يرافقها من تكاليف الشحن والمناولة والتخزين وإعادة البيع أو التلف.
فجوة الواقعية
من جهته يقول محمد شمس الدين وهو صاحب متجر إلكتروني لبيع الملابس، في حديث لموقع “اقتصاد سكاي نيوز عربية”، إن “غرف القياس الافتراضية” تمثل خطوة مهمة في محاولة نقل تجربة قياس الملابس من المتجر الفعلي إلى العالم الرقمي، ولكن القيمة الحقيقية لهذه التكنولوجيا تكمن في قدرتها على تقديم نتائج دقيقة وهو ما يتطلب من صناعة التكنولوجيا سد الفجوات التي لا تزال تعاني منها هذه الأدوات، حيث يجب تحسين قدرة الخوارزميات لتصبح أكثر قدرة على محاكاة مرونة الأنسجة ووزن الأقمشة وطريقة انسيابها وتفاعلها مع الجسم أثناء الحركة، فلا يكفي أن تقوم هذه الأدوات بإظهار الشكل الخارجي للملابس، بل يجب أن تحاكي أيضاً تجربة ارتدائها في العالم الحقيقي.
هل الأمر ممكن تقنياً؟
ويضيف شمس الدين إن وصول “غرف القياس الافتراضية” إلى درجة كبيرة من الواقعية ممكن تقنياً، خصوصاً مع التطور السريع في الذكاء الاصطناعي التوليدي، الذي أصبح قادراً على معالجة كميات ضخمة من البيانات وربط صور الأجسام وقياساتها بخصائص الملابس والأقمشة لإنتاج محاكاة أكثر دقة، إلا أن تحقيق ذلك على نطاق واسع يتطلب أولاً توفير بيانات وصور عالية الجودة، مع وضع ضوابط واضحة لحمايتها، نظراً إلى حساسية المعلومات المرتبطة بأجسام المستخدمين وملامحهم وقياساتهم، مشدداً على أن نجاح هذه الأدوات لا يعتمد على التطور التقني وحده، بل أيضاً على استعداد المستهلك لتزويد “غرف القياس الافتراضية” بالصور والبيانات التي تحتاج إليها كي تقدم نتائج دقيقة، فكلما كانت المعلومات التي يحصل عليها النظام أكثر دقة وتنوعاً، كلما زادت قدرته على تقديم نتيجة أقرب إلى الواقع.
BlackRock: قطاع الطاقة من أكبر المستفيدين من طفرة الـ AI

