الإمارات وألمانيا
تمثل الطاقة أحد المحاور الرئيسية للشراكة الاستراتيجية بين الإمارات وألمانيا، في ظل علاقات اقتصادية متنامية تجمع بين البلدين، وتعاون يتجاوز التجارة والاستثمار إلى قطاعات ترتبط بأمن الطاقة والنمو المستدام.
ومع التحولات التي يشهدها قطاع الطاقة عالمياً، تكتسب الشراكة بين أبوظبي وبرلين أهمية متزايدة، خصوصاً مع سعي ألمانيا إلى تنويع مصادر إمداداتها، وتعزيز أمنها الطاقوي، وتسريع انتقالها نحو اقتصاد منخفض الكربون.
وفي هذا السياق، تطور التعاون الإماراتي الألماني في قطاع الطاقة خلال السنوات الأخيرة ليشمل مجالات متعددة، بما يعكس اتساع نطاق المصالح المشتركة. وتوفر الإمارات، بما تمتلكه من قدرات إنتاجية واستثمارية وخبرات متنامية في تقنيات الطاقة الجديدة، شريكاً مهماً لألمانيا في مساعيها لإعادة تشكيل مزيج الطاقة وتعزيز مرونته.
ووفق تقرير لـ “وام”:
- تعد الطاقة محوراً رئيسياً للشراكة الاستراتيجية بين البلدين.
- أطلقت الإمارات وألمانيا شراكتهما في مجال الطاقة في العام 2017، ووسعت عام 2022 لتشمل التعاون في المناخ.
- شهدت السنوات الماضية تقدماً في مجالات الهيدروجين ووقود الطيران المستدام والطاقة المتجددة وربط الشبكات وإزالة الانبعاثات الصناعية والتخزين.
- استضافت دولة الإمارات في يناير 2026، الاجتماع العاشر للمجموعة التوجيهية رفيعة المستوى للشراكة الإماراتية ـ الألمانية في مجال الطاقة، حيث جرى تحديد أولويات التعاون خلال العام، فيما تواصل “أدنوك” تعزيز دورها في تلبية احتياجات السوق الألمانية من الطاقة.
وفي هذا السياق، وقعت “أدنوك للغاز” في يوليو 2025 اتفاقية مدتها ثلاث سنوات مع شركة “سيفي” الألمانية لتوريد 0.7 مليون طن متري من الغاز الطبيعي المسال بقيمة تصل إلى 1.5 مليار درهم، كما أعلنت “أدنوك” و”آر دبليو إي” في فبراير 2026 اتفاقية تعاون إستراتيجي لاستكشاف فرص توريد الغاز الطبيعي المسال إلى ألمانيا والأسواق الأوروبية بكميات تصل إلى مليون طن متري سنوياً ولمدة تصل إلى عشر سنوات.
ووفق التقرير، فإنه بالتوازي مع ذلك، يتوسع التعاون في الطاقة النظيفة، حيث تبحث “مصدر” وشركاؤها الألمان فرص تطوير أنظمة بطاريات تخزين الطاقة في ألمانيا، إلى جانب مشروعات طاقة الرياح البحرية والهيدروجين الأخضر، بما يعكس توجه البلدين نحو دعم التحول إلى منظومات طاقة أكثر استدامة.
تحول نوعي
من جانبه، يقول الخبير الاقتصادي والأمين العام السابق لمجلس الإمارات للمستثمرين بالخارج، جمال الجروان، لموقع “اقتصاد سكاي نيوز عربية”:
- التعاون الإماراتي–الألماني في قطاع الطاقة يشهد تحولاً نوعياً، ينتقل بالعلاقة من نموذج يقوم على تجارة الطاقة إلى شراكة استراتيجية ترتكز على أمن الطاقة وصناعة المستقبل.
- ألمانيا تواجه ثلاثة احتياجات رئيسية في قطاع الطاقة، تتمثل في تنويع مصادر الإمداد، وتسريع جهود إزالة الكربون من الصناعات الثقيلة، وضمان الحصول على طاقة مستقرة وبأسعار تنافسية.
- الإمارات قادرة على أن تكون شريكاً رئيسياً لألمانيا في هذه المحاور الثلاثة.
- الإمارات تمثل مورداً موثوقاً للطاقة، بالتوازي مع تطويرها لقدرات متنامية في مجالات الطاقة المتجددة والهيدروجين والوقود منخفض الكربون، وهو ما يفتح المجال أمام بناء شراكة طويلة الأمد تتجاوز المفهوم التقليدي لتجارة الطاقة.
ويشير إلى أن أهمية التعاون لا تقتصر على صادرات الطاقة، إذ أصبحت الاستثمارات الإماراتية حاضرة في صميم المنظومة الصناعية وقطاع الطاقة الألماني، في حين تمتلك ألمانيا خبرات متقدمة في التكنولوجيا والهندسة والصناعة يمكن أن تدعم توجه الإمارات نحو بناء اقتصاد أكثر استدامة وأقل اعتماداً على الكربون.
زيارة دولة استثنائية للشيخ محمد بن زايد إلى ألمانيا
يرى الجروان أن المرحلة المقبلة من التعاون الإماراتي–الألماني يمكن أن تقوم على ثلاثة مستويات متكاملة:
- يبدأ أولها بالغاز الطبيعي المسال لتلبية احتياجات أمن الطاقة على المدى القريب.
- ثم التوسع في الهيدروجين والطاقة المتجددة وتقنيات التخزين على المدى المتوسط.
- وصولاً إلى التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي وكفاءة الطاقة باعتبارها ركائز أساسية لمنظومة الطاقة المستقبلية.
ويؤكد أن العلاقة بين البلدين لم تعد تقوم على نموذج تقليدي يجمع بين منتج ومستهلك للطاقة، وإنما تتجه نحو بناء سلسلة قيمة مشتركة، قائلاً: “الإمارات وألمانيا لا تبنيان فقط علاقة بين منتج ومستهلك للطاقة؛ بل تبنيان سلسلة قيمة مشتركة، توفر فيها الإمارات الطاقة ورأس المال والقدرة الاستثمارية، بينما توفر ألمانيا التكنولوجيا والقاعدة الصناعية، بما ينقل العلاقة من تأمين طاقة الحاضر إلى المشاركة في صناعة طاقة المستقبل”.
استثمارات
وعبر شراكات استراتيجية ومشاريع متكاملة في مجالات الطاقة النظيفة والغاز، تسهم شركة “أدنوك” في توفير إمدادات موثوقة ومستدامة من الطاقة لألمانيا.
- توفر شركة “مصدر” 476 ميغاواط من الطاقة النظيفة لألمانيا من خلال الاستثمار في مشروع مزرعة الرياح البحرية “إيغل بحر البلطيق” بقيمة تصل إلى 1.6 مليار يورو.
- يسهم ذلك في تزويد 475,000 منزل في ألمانيا بالطاقة عبر هذا المشروع.
- وفي مجال الغاز الطبيعي، تسهم استثمارات شركة “XRG” في ممر الغاز الجنوبي لتعزيز تنوع وموثوقية إمدادات الغاز إلى أوروبا، بما يدعم أمن الطاقة في ألمانيا بشكل مباشر.
- كما توفر “أدنوك” للسوق الألمانية 1.6 مليون طن متري سنوياً من الغاز الطبيعي المسال عبر اتفاقيات توريد طويلة الأمد.
- وهو ما يلبي الاحتياجات السنوية من الطاقة لنحو 3.5 مليون منزل في ألمانيا.
وإجمالاً، تتجاوز الاستثمارات الإجمالية شركات “أدنوك”، “XRG”، و”مصدر” 20 مليار يورو في قطاعي الطاقة والصناعة داخل ألمانيا.
وفي هذا الإطار، تلعب شركة “XRG” دوراً بارزاً من خلال استثمارات إستراتيجية تبلغ أكثر من 14 مليار يورو في شركة “كوفسترو” الألمانية المتخصصة في الصناعات، وهي شركة تضم نحو 7,000 موظف يعملون عبر ستة مواقع مختلفة داخل ألمانيا.
شراكة استراتيجية
من جانبه، يقول مستشار أسواق الطاقة، مصطفى البزركان، لموقع “اقتصاد سكاي نيوز عربية”:
- زيارة رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة إلى ألمانيا تمثل تتويجاً لمسار متصاعد من العلاقات الاقتصادية بين البلدين.
- من شأن الزيارة فتح المجال أمام تأسيس شراكة استراتيجية في قطاع الطاقة، خاصة في ظل التحولات الكبيرة التي طرأت على خريطة إمدادات الغاز في أوروبا منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا.
- ألمانيا فقدت، بسبب الحرب، إمدادات الغاز الروسي التي كانت تصل إليها عبر خطوط الأنابيب، وبأسعار منخفضة مقارنة بتكلفة الغاز الطبيعي المسال، ما دفعها إلى الاعتماد على مصادر بديلة، من بينها قطر والجزائر والولايات المتحدة.
- الإمارات، في ظل النهضة التي تشهدها قدراتها الإنتاجية في قطاعي النفط والغاز، يمكن أن تمثل شريكًا موثوقًا لألمانيا لتوفير الغاز الطبيعي المسال من خلال عقود طويلة الأجل، خصوصًا مع التحديات التي تواجه إمدادات الغاز الطبيعي المسال في المنطقة، وما قد يترتب عليها من ضغوط على الأسواق خلال السنوات المقبلة.
ويشير إلى أن الإمارات تمتلك قدرات متزايدة في إنتاج الغاز الطبيعي المسال، إلى جانب أسطول من ناقلات الغاز، من المقرر أن تضاف إليه خمس ناقلات عملاقة جديدة، فضلًا عن أسطولها لنقل النفط الخام ومنتجات الطاقة مثل الديزل ووقود الطائرات، وهو ما يعزز قدرتها على تلبية احتياجات الأسواق الأوروبية.
وفي المقابل، يلفت البزركان إلى أن ألمانيا، باعتبارها قاطرة الاقتصاد الأوروبي، تستطيع تقديم تكنولوجيا متطورة في مجالات حماية البيئة والطاقة النظيفة، إلى جانب تعزيز الاستثمارات في مصادر الطاقة المتجددة، مشيرًا إلى إمكانية تحول السوق الألمانية إلى سوق واعدة للهيدروجين الأخضر الإماراتي.
ويؤكد أن هذه الشراكة تأتي في توقيت مهم، في ظل ارتفاع أسعار الغاز في الأسواق الأوروبية إلى مستويات قياسية خلال السنوات الأخيرة، بالتزامن مع تراجع مخزونات الغاز الأوروبية، ما يزيد الحاجة إلى تنويع مصادر الإمدادات وتأمين عقود طويلة الأجل.
ويشدد البزركان على أن الشراكة الإماراتية الألمانية في مجال الطاقة يمكن أن تمثل استثمارًا استراتيجيًا مفيدًا لاقتصاد البلدين، خاصة في ظل استمرار التوترات التي تؤثر على حركة إمدادات الطاقة عبر مضيق هرمز، وتصاعد المنافسة بين أوروبا وآسيا على شحنات الغاز الطبيعي المسال.
ويوضح أن أوروبا بدأت بالفعل في تقديم عروض أسعار أكثر تنافسية من نظيرتها الآسيوية لتأمين عقود الغاز الطبيعي المسال، بهدف تعزيز مخزوناتها وتجنب أي نقص محتمل خلال فصل الشتاء المقبل، وهو ما يمنح الإمارات فرصة لتعزيز مكانتها كمورد موثوق للطاقة وشريك استراتيجي لأوروبا في ملف أمن الطاقة وتنويع مصادر الإمدادات.
الإمارات وألمانيا.. شراكة استراتيجية في الاستثمار

