فواتير الكهرباء المنزلية ما زالت مرتفعة، ومع ذلك يمكن في سوق الجملة أن يحصل بعض المشغلين حتى على المال مقابل استهلاك الطاقة. هذا أحد المفارقات التي أفرزها نمو مصادر الطاقة المتجددة: فالشمس والرياح تنتجان عندما تتوافر الظروف، لا عندما تحتاج الشبكة إلى الكهرباء، وفي لحظات فائض الإنتاج يمكن أن تتحول الأسعار إلى قيم سلبية.
اعلان
اعلان
لهذا السبب نحتاج إلى بطاريات ضخمة، أنظمة “BESS” لتخزين الطاقة بالبطاريات (Battery Energy Storage System)، قادرة على امتصاص الطاقة الزائدة وإعادتها إلى الشبكة في وقت لاحق. وقد أصبح دورها استراتيجيا إلى حد أنها أطلقت سباقا حقيقيا على الذهب، تشارك فيه إيطاليا بوصفها أحد أبرز اللاعبين.
بطاريات: في إيطاليا طلبات ربط بقوة 300 جيجاواط
مع نهاية عام 2025 كانت طلبات ربط أنظمة التخزين على مستويات الجهد العالي والفائق الارتفاع المقدمة إلى “ترنا” قد بلغت 300 جيجاواط. لكن لم يحصل على الموافقة النهائية سوى 56 جيجاواط، ولم يكن جاهزا لبدء الأعمال سوى 6,8 جيجاواط.
أما منشآت التخزين المركبة بالفعل فكانت توفر قدرة تبلغ 7,4 جيجاواط وسعة قدرها 17,9 جيجاواط ساعة. وتقدّر “ترنا” أن يبلغ الاحتياج بحلول عام 2030 نحو 72 جيجاواط ساعة، على أن يرتفع في السيناريوهات الممتدة إلى عام 2040.
لذلك فإن 300 جيجاواط من الطلبات لا تمثل فقط منشآت يفترض دخولها الخدمة قريبا، بل تشكل أيضا حجزا ضخما على حساب نظام الكهرباء المستقبلي.
في خطاب حالة الاتحاد الذي ألقته في 16 سبتمبر الماضي، ذكّرت أورسولا فون دير لاين بأن أوروبا قد ركّبت في عام 2025 أكثر من 80 جيجاواط من قدرة جديدة من مصادر متجددة، في حين أن قدرة تفوق ذلك بستة أضعاف ما زالت تنتظر الربط بالشبكة. وقالت: “علينا أن نستثمر بوتيرة أسرع، وأن نسرّع وتيرة الربط بالشبكة، وأن نطوّر حلول التخزين”.
ألمانيا: سباق البطاريات أكثر ضخامة
وتظهر ألمانيا هذه الديناميكية بشكل أكثر تطرفا. ففي عام 2025 وحده تلقى مشغلو الشبكات 18.158 طلبا لإنشاء أنظمة تخزين كبيرة، تعادل 573,5 جيجاواط.
العروض الرسمية للربط الصادرة كانت تغطي 54,2 جيجاواط؛ أما المنشآت العاملة فعليا من مستوى الجهد المتوسط فما فوق فبلغت 3,6 جيجاواط.
وتحذّر الوكالة الاتحادية لتنظيم شبكات الطاقة “Bundesnetzagentur” من أن جزءا من الطلبات مكرر: فالمطوّر نفسه يمكن أن يقدّم المشروع ذاته في عدة نقاط من الشبكة ثم يختار لاحقا موقع التنفيذ.
عمليا، تُشترى في كثير من الحالات الخيارات قبل أن تُبنى البطاريات نفسها.
حين تدخل البنوك على الخط: التخزين يتحول إلى أداة استثمار
قصة شركة “Kyon Energy” الألمانية توضح مدى سرعة تغيّر المشهد المالي في هذا القطاع. ففي يناير 2024 استحوذت شركة “TotalEnergies” على الشركة من المؤسسين الثلاثة، ودفعـت 90 مليون يورو فورا إضافة إلى دفعات “earn-out” لاحقة. وكانت “كيون” قد طوّرت بالفعل 770 ميجاواط، مع حافظة مشاريع متقدمة إضافية تبلغ 2 جيجاواط.
في ذلك الوقت أوضح الشريك المؤسس فيليب ميرك أن تمويل البطاريات الكبرى كان لا يزال أمرا صعبا؛ فـ”كيون” كانت تبني في البداية برأسمالها الخاص ثم تبحث عن إعادة التمويل المصرفي فقط بعد دخول المشروعات في الخدمة.
بعد عامين تغيّرت الصورة. ففي عام 2026 باعت “TotalEnergies” إلى “Allianz Global Investors” نسبة 50 في المئة في أحد عشر مشروعا من مشروعات “كيون”، بقدرة تبلغ 789 ميجاواط وسعة قدرها 1.628 ميجاواط ساعة؛ وفي يوليو أُعلن عن تمويل بنكي على أساس المشروع “project financing” بقيمة تقارب 440 مليون يورو، شاركت فيه عشر مؤسسات مالية.
وتضمن اتفاقات “tolling” المُهيكلة، وهي أشبه بتأجير سعة البطارية، حصة من الإيرادات التعاقدية وتجعل تدفقات السيولة أكثر قابلية للتوقّع.
القيمة الحقيقية يمكن أن تتولد قبل بدء البناء
هذا الآلية يشرحها أيضا ستيفانو إندريتزي، الشريك في شركة “MergersCorp”، التي تتولى عمليات مالية استثنائية أيضا في قطاع الطاقة المتجددة.
ويقول: “كم من الأطراف يملك القدرة الاقتصادية على البناء الفعلي؟ قليلون جدا، ربما واحد من بين خمسين”. لكن الكثيرين يمكنهم حجز قطعة أرض وتطوير المشروع “كلّه على الورق”. وهكذا تُخلق القيمة قبل مرحلة التشييد نفسها.
وتفضّل كبريات صناديق الاستثمار والشركات العاملة في الطاقة أو في التصميم والتنفيذ، أي شركات “EPC”، الاستحواذ على المشاريع التي حصلت على التراخيص والدخول مباشرة في مرحلة التطوير؛ فهو أسلوب عملي لشراء الوقت من دون الغرق في دهاليز إجراءات الترخيص والبيروقراطية.
في إيطاليا: أول مزاد للبطاريات يستقطب سيلا من العروض
وفي إيطاليا باتت المنافسة واضحة بالفعل. ففي أول مزاد “MACSE” في سبتمبر 2025 خصصت “ترنا” عشرة جيجاواط ساعة من السعة، جميعها في بطاريات أيونات الليثيوم.
وتجاوزت العروض حجم الطلب بأكثر من أربعة أضعاف، وانخفض السعر المتوسط المرجّح إلى 12.959 يورو لكل ميجاواط ساعة في السنة، مقابل علاوة احتياط تبلغ 37.000 يورو، أي أقل بحوالي 65 في المئة.
وفي الأثناء يتدفّق رأس المال إلى القطاع. فقد أحصت شركة “Modo Energy” في عام 2025 82 صفقة “BESS” في أوروبا، مقابل 25 صفقة في العام السابق، بقيمة مُعلنَة قدرها 8,6 مليار يورو. وارتفع حجم الديون المكشوفة من 1,4 إلى 6,1 مليار يورو؛ وتمثل القروض القائمة على المشاريع “project finance” نصف هذه العمليات.
التشدد في مواجهة “المشاريع الشبحية”
وقد باتت المفوضية الأوروبية تعترف صراحة بالمشكلة. ففي إرشاداتها الخاصة بربط المشروعات بالشبكة الصادرة في ديسمبر 2025 تعتبر الطلبات ذات الطابع المضارِبي والمشروعات التي لا تنضج إحدى أسباب الطوابير على الربط.
وتشير إلى الاستحواذ المسبق على قدرة الشبكة، وتكرار تقديم الطلبات لمشروع واحد، بل وحتى حالات تُحجز فيها نقطة الربط بهدف بيع حقوقها لاحقا.
ومن بين التدابير المضادة التي تقترحها اعتماد معايير ترتبط بمدى نضج المشاريع، ووضع آجال نهائية، وفرض غرامات وودائع مالية يمكن خسارتها إذا لم يُنفَّذ الاستثمار.
إيطاليا: قواعد جديدة لمواجهة تشبّع الشبكة
وقد بدأت إيطاليا بالفعل تصحيح المسار. فقد أدخل مرسوم الفواتير الصادر في فبراير 2026 إصلاحا يستهدف “التشبّع الافتراضي” للشبكة؛ إذ ستُخصَّص القدرة بشكل نهائي للمشاريع المرخَّصة، وقد تُلغى بعض نقاط الربط التي حصلت عليها مبادرات لا تزال غير ناضجة.
وقد وقّعت وزارة البيئة وأمن الطاقة “MASE” المرسوم التنفيذي في 8 سبتمبر؛ ولا يزال القرار بحاجة إلى آخر خطوة تنظيمية من هيئة تنظيم الطاقة “ARERA”.
والمفارقة أن هذا التشدد يأتي بعد سنوات سعت فيها بروكسل والدول الأعضاء إلى تسريع تلك الإجراءات نفسها التي ينبغي اليوم جعلها أكثر انتقائية.
توجيه “RED III” فرض آجالا أقصر لكثير من التراخيص، ونص على ممرات سريعة لمشروعات الطاقة المتجددة وأنظمة التخزين المرتبطة بها؛ وفي إيطاليا جرى تبسيط الإجراءات الخاصة بأنظمة “BESS” المستقلة عن محطات الإنتاج على مر السنوات.
مشاريع الطاقة: التبسيط لا يعني أن كل شيء يصبح سهلا
ويقول إندريتزي: “إنه عمل هائل؛ حتى لمشروعات بقدرة أربعة أو خمسة ميجاواط نتحدث عن آلاف الوثائق”.
لكن الكلفة المطلوبة لتطوير المشروع تبقى جزءا يسيرا من الكلفة اللازمة لبناء المنشأة نفسها، في حين يمكن للمشروع الحاصل على الترخيص أن يكتسب قيمة مستقلة وأن يُباع.
وهنا يظهر تناقض ثانٍ؛ فلكي تنظّف السلطات طوابير الانتظار يمكنها المطالبة بضمانات مالية أكبر وبإثباتات على نضج المشاريع. غير أن ذلك يجعل من الأصعب على المطوّرين الصغار الاحتفاظ بمواقعهم لسنوات، في حين تملك شركات المرافق والصناديق الاستثمارية والمجموعات الكبرى رأس المال المطلوب.
وهكذا قد تؤدي محاربة المضاربة المالية إلى زيادة تركّز السوق أيضا.
سباق السيطرة على الأراضي لمشروعات المتجددة و”BESS” ومراكز البيانات
وفي النهاية تعود الحمى المالية لتلامس الأرض حرفيا. فـمحطات الطاقة الشمسية التقليدية والزراعية، ومزارع الرياح، وأنظمة “BESS” تبحث عن مواقع مناسبة ونقاط ربط بالشبكة، بينما ترفع مراكز البيانات أيضا بسرعة الطلب المحتمل على قدرة الشبكة.
ويقدّر مركز الأبحاث الزراعية “CREA” أن متوسط قيمة الأراضي الزراعية في إيطاليا بلغ نحو 22.400 يورو للهكتار في عام 2024، ويشير إلى أثر انتشار محطات الطاقة المتجددة على الأسعار؛ ففي بعض الحالات يوثّق عروضا لمشروعات فوتوفولتية في حدود 60.000 يورو للهكتار.
وبحسب خبرة إندريتزي، فإن الأراضي الزراعية التي قد تتراوح قيمتها في شمال إيطاليا بين 15 و25 ألف يورو للهكتار تصل، عندما تصبح جذابة للتطوير في مجال الطاقة، إلى طلبات في حدود 90-100 ألف يورو.
فالسبب هو أن قيمة قطعة الأرض في سوق الطاقة الجديد لم تعد ترتبط بما يمكن أن يُزرَع أو ينمو عليها فحسب، بل تعتمد أيضا على كمية الطاقة التي يمكن أن تمر بمحاذاتها، وعلى إمكانية حجز موقع لها اليوم داخل نظام الكهرباء الخاص بالغد.
مصطلحات التخزين: تعريفات لا بد من معرفتها
جيجاواط (GW) – يقيس القدرة، أي مدى سرعة تمكّن البطارية من امتصاص الطاقة أو إعادتها إلى الشبكة.
جيجاواط ساعة (GWh) – يقيس السعة، أي كمية الطاقة التي يمكن للبطارية تخزينها. فالنظام بقدرة واحد جيجاواط، يمكنه توفير هذه القدرة لمدة أربع ساعات، تكون سعته 4 جيجاواط ساعة.
المراجحة (Arbitraggio) – هي الآلية التي تُشحَن فيها البطارية عندما تكون الكهرباء رخيصة، أو عندما يصبح السعر سلبيا، ثم تُباع الطاقة المخزّنة عندما يرتفع السعر.
“Merchant” – يشير إلى الإيرادات المعتمدة مباشرة على حركة أسعار سوق الكهرباء، من دون عائد ثابت مضمون بعقد طويل الأجل.
“Tolling” – يدفع مشغّل ما مبلغا مقابل استخدام، وفق عقد، جزء من سعة البطارية. وبهذا يحصل المالك على عنصر من الإيراد أكثر قابلية للتنبؤ.
الضخ الكهرومائي (Pompaggio idroelettrico) – هو شكل من أشكال التخزين يُستخدم فيه فائض الكهرباء لإعادة ضخ المياه إلى مستوى أعلى، من الحوض السفلي إلى الحوض العلوي. ويمكن للمياه لاحقا أن تهبط عبر التوربينات لتوليد طاقة جديدة.

