كتبت – سها ممدوح : يدخل قطاع السياحة الأوروبي مرحلة جديدة لم تعد المنافسة فيها تدور فقط حول أسعار الفنادق وتذاكر الطيران، وإنما حول قدرة الوجهات على توفير تجربة آمنة ومريحة في ظل ارتفاع درجات الحرارة وتزايد تأثيرات تغير المناخ على حركة السفر، بما يعيد تشكيل خريطة الطلب والاستثمار السياحي في القارة.
وحذر إدواردو سانتاندير، الرئيس التنفيذي والمدير التنفيذي لهيئة السفر الأوروبية، من أن تغير المناخ أصبح أحد أكبر التهديدات أمام السياحة، داعيًا إلى إدارة تدفقات الزوار بصورة أفضل بما يحقق التوازن بين احتياجات المجتمعات المحلية وقدرة الوجهات على استيعاب الحركة السياحية.
وتكتسب هذه الرؤية أهمية اقتصادية، في ظل مساهمة السياحة بنحو 10% من اقتصاد أوروبا، وارتفاع النسبة إلى 15% أو 20% في بعض الأسواق، ما يجعل أي تغير في أنماط السفر مؤثرًا بصورة مباشرة على الفنادق والمطاعم والنقل والخدمات والاستثمارات المرتبطة بالقطاع.
ولا تتضمن المعطيات المعلنة أسعارًا محددة للفنادق أو الرحلات، لكن ظهور ما يعرف بـ«العطلات الباردة» يكشف تغيرًا محتملًا في معادلة الأسعار؛ فالمسافر الذي كان يختار الوجهة المتوسطية خلال الصيف قد يصبح أكثر استعدادًا لدفع تكلفة مختلفة مقابل الطقس المعتدل، وهو ما يمنح الوجهات الشمالية فرصة لرفع الطلب والإشغال خلال أشهر كانت أقل جذبًا للسياحة.
وبالتوازي، تفرض موجات الحر والجفاف ضغوطًا متزايدة على البنية الأساسية، بعدما أدت درجات الحرارة المرتفعة إلى اضطرابات في تشغيل القطارات، بينما تسببت انخفاضات منسوب المياه في تعذر بعض الرحلات النهرية السياحية، ما يرفع أهمية الاستثمار في وسائل نقل أكثر قدرة على تحمل الظروف المناخية المتغيرة.
ويرى سانتاندير أن الازدحام أصبح تحديًا أكثر إلحاحًا من مفهوم السياحة المفرطة، بداية من المطارات ووسائل النقل البري وصولًا إلى مناطق الجذب الشهيرة، وهو ما يضع الطاقة الاستيعابية للبنية الأساسية في قلب قرارات الاستثمار السياحي.
ومن هنا، تصبح زيادة الاستثمارات في مرافق الإقامة والنقل ضرورة للحفاظ على تنافسية الوجهات، ليس فقط لاستيعاب أعداد السياح، وإنما لتوزيع الحركة على مناطق ومواسم مختلفة وتخفيف الضغط عن المدن والمواقع الأكثر ازدحامًا.
وتكشف تجربة صيف 2026 أن المناخ بدأ يتحول إلى عامل مؤثر في اختيار السائح لوجهته، بما قد يدفع الفنادق وشركات السياحة إلى إعادة تصميم منتجاتها وفق مواسم جديدة، بينما تتجه الاستثمارات إلى وجهات أكثر اعتدالًا وبنية أساسية أكثر قدرة على مواجهة الظروف المناخية.
وهكذا، تدخل السياحة الأوروبية مرحلة يصبح فيها «سعر المناخ» جزءًا من قيمة الرحلة، وتتحول قدرة الوجهة على توفير الطقس المناسب والنقل الآمن والبنية التحتية المرنة إلى عناصر تنافسية لا تقل أهمية عن سعر الغرفة أو تذكرة الطيران.
إقرأ أيضاً :

