في زمن تتكرر فيه الأفكار، وينهار فيه الكثير من الأفلام تحت وطأة السطحية، يأتي سبايك لي ليكسر القاعدة، ففي فيلمه الجديد Highest 2 Lowest، لا يعيد فقط تقديم عمل كلاسيكي عظيم، بل يغامر بتحويل تحفة أكيرا كوروساوا High and Low إلى عمل عصري، ينبض بأصوات نيويورك، وتوترها، وتناقضها الطبقي الحاد.
لا يمكن الحديث عن الفيلم دون التوقف أمام الرؤية الإخراجية الجريئة، فالتعاون بين سبايك لي ومدير التصوير ماثيو ليباتيك منح الفيلم طابعًا بصريًا آسرًا؛ من اللقطات البانورامية لمدينة لا تنام، إلى المشاهد الداخلية المشبعة بالظلال والتي تعكس صراعات الشخصيات، وحتى في اللحظات التي تخبو فيها القصة، يبقى الإخراج حاضرًا بقوة، وكأن الصورة نفسها هي من تحكي ما عجز عنه السيناريو.
في قلب هذه الدراما، يتألق دينزل واشنطن مجددًا، فبشخصية “David King”، يقدم واشنطن أداءً يحبس الأنفاس؛ رجل أعمال ناجح، تصدمه أزمة أخلاقية في مفترق طريق، و القوة التي جسد بها التوتر الداخلي والهشاشة في آنٍ واحد تجعل منه ركيزة الفيلم الأولى، فواشنطن لا يُمثّل.. هو يتنفس الشخصية ويمنحها من روحه.
جيفري رايت، بدوره، يلعب دور “Paul Christopher”، السائق والمرافق المخلص، ويمنح الفيلم عمقًا إنسانيًا هادئًا، لا يصرخ في وجه الكاميرا، لكنه يترك أثرًا طويل المدى، وهو ما يعزز توازن الفيلم وسط اضطراب بعض جوانب نصه.
ثم يأتي A$AP Rocky، مفاجأة الفيلم من خارج الدائرة التقليدية للسينما، و يظهر في دور الخاطف الذي يحرك القصة، بكاريزما واضحة وطاقة ملفتة، وإن كان النص لم يمنحه العمق الكافي ليبلغ قمة التأثير، ورغم ذلك، يثبت أنه أكثر من مجرد مغنٍ، بل موهبة تمثيلية قادرة على النمو إذا وجدت البيئة المناسبة.
لكن، وعلى الرغم من هذه القوة في التمثيل والإخراج، لا يمكن إغفال نقطة الضعف الأساسية: السيناريو، حيث فشل في الوصول إلى العمق الذي ميز القصة الأصلية.
الصراعات الكبرى، سواء أخلاقية أو طبقية، ظلت حاضرة لكن بحدة أقل، مما جعل بعض الأحداث متوقعة، وأفقد الفيلم شيئًا من القوة العاطفية التي كان يمكن أن يحققها.
ومع ذلك، يظل Highest 2 Lowest تجربة تستحق المشاهدة، ليس فقط كتحية لفيلم كلاسيكي، بل كعمل يقدم وجوهًا مختلفة للتمثيل، والتصوير، والفن السينمائي بشكل عام، وربما في هذا التناقض بين النص والصورة تكمن روح الفيلم: العالم ليس دائمًا كما نراه… بل كما نعيشه في الداخل.
