كارين رزق الله فوق كل التكريمات، هو العنوان الذي يليق بها، إذ لا يُقاس حضورها بعدد الجوائز التي نالتها، بل بتكريم معنوي من الجمهور منحها حضوراً استثنائياً وبصمة إبداعية تتجاوز حدود التكريم التقليدي، وهو أقل ما يمكن قوله بعد عملها الأخير “المحافظة 15″، العمل الوطني والإنساني الذي شكّل خطاباً إنسانياً اشتبك مع نبض الواقع، وفتح نوافذ على قضايا مؤجلة، في مقاربة جريئة لملفات حساسة تتعلق بالمعتقلين في سجن صيدنايا، وكشف بجرأة عن المسؤولين المتهرّبين من المحاسبة، سواء في النظام أو من المرتبطين به من داخل لبنان، ضمن سردية جريئة تفكك الموضوعات المحرّمة دون تلطيف.
وقد قدّمت رزق الله حبكة درامية ذكية وإنسانية، نسجت من خلالها سرداً متداخلاً لرؤية درامية متماسكة، عبر قصة حب بين شاب سوري وفتاة لبنانية، لتؤكد من خلالها فكرة محورية مفادها أن الشعبين يعيشـان حالة من التآلف والانسجام الطبيعي، لولا تدخلات المصالح السياسية التي تعرقل هذا التعايش، في خطاب درامي يعيد صياغة الواقع من زاوية أكثر إنسانية.
كما تناول النص بجرأة ملف نهب الدولة عبر شخصية نائبة، قبل أن يبلغ ذروة رمزية عالية في المشهد الأخير، حين تظهر وهي تقوم بسرقة “ساندويش”، في لحظة تُحوّل الألم إلى مادة درامية نابضة، لتتعرض للملاحقة، فتطلق جملتها المفصلية: “عندما سرقت الدولة لم يلاحقني أحد، أما اليوم لأنني سرقت لقمة عيش أُحاسَب”، في إسقاط رمزي يطرح سؤال العدالة بين من يسرق من موقع السلطة ومن يسرق بدافع الفقر والحاجة.
والعمل ليس غريباً على كارين رزق الله، التي اعتادت في كتاباتها السابقة مقاربة قضايا إنسانية حساسة، من المرأة المعنفة إلى المغتصبة، بلغة درامية تمزج بين العمق الإنساني والجرأة الفنية، ضمن أسلوب يوازن بين المشاعر والواقع، ويمنح الشخصيات حياة تتخطى الشاشة وتتحول إلى نبض حي.
كما برز اختيارها المدروس للكاستينغ، الذي ضم أسماء من بينها يورغو شلهوب، فيفيان أنطونيوس، نور غندور، عدنان أبو الشامات وحسن خليل، إذ جاءت الشخصيات ضمن بناء درامي متماسك، على عكس العديد من الأعمال التي تعاني تفككاً في السرد، إذ نجحت في خلق انسجام فني واضح بين الشخصيات والأحداث.
أما الممثل نزيه يوسف، فقد قدّم أداءً لافتاً في شخصية جديدة عليه، بعيدة عن الكوميديا، مجسداً الرجل الصارم والوفي في آن، ليؤكد قدرته على التلون الفني وتطويع حضوره لخدمة النص بكل احترافية وصدق.
في المقابل، برز الممثل يورغو شلهوب بأداء استثنائي، استطاع من خلاله تفكيك الألم الإنساني لشخصيته وتقديمه بصدق لافت، فحوّل المشاهد إلى تجربة شعورية عميقة يعيشها المتلقي بكل تفاصيلها، من سجنه وصولاً إلى حريته، إلى مواجهة الواقع والعودة إلى تحصيل حقوقه من دون تردد.
وفي المحصلة، تبرز كارين رزق الله كقيمة إبداعية تتجاوز حدود التكريمات، إذ أن تكريم الجمهور يبقى الأكثر صدقاً وعمقاً، وهي كاتبة تؤكد أن الدراما اللبنانية ليست مستوردة، بل تمتلك سردية محلية راسخة، مع أسماء بارزة منها كلوديا مرشليان، شكري أنيس فاخوري، منى طايع، ندين جابر، والراحل مروان العبد، وغيرهم ما يثبت أن نبض الإبداع اللبناني حاضر بقوة متى ما تم تسليط الضوء عليه.
واختتمت رزق الله عملها بإضاءة راقية على المسارح اللبنانية، من مسرح المدينة إلى دوّار الشمس ومسرح مونو، في لفتة حضارية تحمل رؤية ثقافية تعيد الاعتبار للمسرح كفضاء حيّ، وتؤكد دوره كرافعة للوعي والإقتصاد الثقافي في لبنان.
وفي الختام، لا يمكن إلا التوقف عند أداء كارين، الذي شكّل امتداداً طبيعياً لبصمتها الإبداعية، إذ قدّمت شخصية تنبض بالصدق والتفاصيل، متقنةً كل انفعالاتها وحالاتها النفسية، وكأنها تعيشها لا تؤديها، هذا التميّز ليس جديداً عليها، بل هو جزء من مسيرتها التي اعتادت فيها أن تبهرنا بقدرتها الكبيرة على الإقناع، وعلى الاندماج الكامل في الشخصية حتى أقصى حدودها، لتقدّم نموذجاً تمثيلياً فريداً يجمع بين بين عمق الإحساس ودقّة الأداء.

