النفط والدولار
في كل مرة يتحدث فيها الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن إيران، تتحرك أسواق النفط بشكل لافت. ليس لأن الأسواق تصدّق كل تصريحاته، بل لأن المتداولين لا يستطيعون تحمّل كلفة تجاهلها.
هذا ما خلص إليه تحليل لـ”بلومبرغ إيكونوميكس”، استند إلى دراسة أكثر من 9,900 عنوان إخباري عاجل متعلق بالصراع حول إيران، ليكشف نمطًا واضحًا في سلوك الأسواق: التفاعل مع التصريحات أصبح ضرورة، لا خيارًا.
تراجع في الحدة.. لا في التأثير
في 18 مايو، أعلن ترامب تأجيل ضربة عسكرية ضد إيران لم يكن قد كشف عنها مسبقًا. خلال ساعة واحدة، تراجع خام غرب تكساس بنسبة 2.4 بالمئة، بينما هبط خام برنت بنسبة 2.9 بالمئة.
ورغم أن هذه التراجعات بدت أقل حدة مقارنة بذروة التوتر العسكري، فإن القراءة السطحية قد توحي بأن الأسواق بدأت تفقد حساسيتها تجاه تصريحات البيت الأبيض. لكن التحليل الأعمق يظهر أن جوهر التفاعل لم يتغير.
فالسبب لا يعود إلى ضعف تأثير التصريحات، بل إلى هدوء السوق بشكل عام، بعد الانتقال من التصعيد العسكري إلى مسار المفاوضات. وفي بيئة أقل تقلبًا، تصبح التحركات السعرية بطبيعتها أقل حدة، حتى لو كانت المحفزات قوية.
معادلة المخاطرة تحكم السوق
يعتمد سلوك المتداولين على حساب بسيط لكنه حاسم:
- تجاهل تصريح قد يتحول إلى حدث فعلي (ضربة عسكرية أو اتفاق) قد يؤدي إلى خسائر تتراوح بين 10 بالمئة و15 بالمئة في صفقة واحدة.
- في المقابل، التفاعل مع تصريح عابر يتبين لاحقًا أنه غير مؤثر، يترتب عليه خسائر محدودة يمكن تعويضها.
هذه المعادلة تجعل من تجاهل تصريحات ترامب خيارًا عالي المخاطر، وهو ما يفسر سرعة استجابة الأسواق لكل كلمة تصدر عنه، حتى مع تكرار التراجع أو التعديل في المواقف.
سوق أكثر هدوءًا.. لكنه أكثر حذرًا
إذا هذا هو ما حسمته الأسواق فعلاً.. الصراع محصور، ومضيق هرمز هو ورقة الضغط الرئيسية، دون الانزلاق إلى حرب إقليمية واسعة.
لكن ما يبقى معلقاً هو السؤال التكتيكي اليومي، هل تصمد الهدنة؟ هل ينسحب أحد الطرفين من الاتفاق؟ هذا الغموض هو ما يُبقي كل تصريح جديداً قادراً على تحريك السوق، بصرف النظر عن عدد مرات التراجع عنه سابقاً.
سيناريو التصعيد.. تضاعف التأثير
تحذر “بلومبرغ إيكونوميكس” من أن عودة المواجهة العسكرية المباشرة ستغيّر المعادلة بالكامل، إذ من المتوقع أن تتضاعف حدة التفاعل السعري تقريبًا مع كل تصريح بارز.
وبالتالي، فإن هدوء الأسواق الحالي لا يعكس حالة من الاطمئنان بقدر ما يعبر عن ترقب حذر، بانتظار ما قد يحمله أي تحول مفاجئ في مسار الصراع.
الخلاصة
أسواق النفط لا تتعامل مع تصريحات ترامب على أساس المصداقية المطلقة، بل وفق حسابات المخاطر. وفي عالم تتداخل فيه السياسة مع الأسعار، تصبح الكلمة نفسها حدثًا.. حتى قبل أن تتحول إلى فعل.
القبي: اقتصاد أوروبا أصبح أكثر هشاشة بعد أزمتي روسيا وهرمز

