مراكز البيانات
مع تسارع الاستثمارات العالمية في الذكاء الاصطناعي وبناء مراكز بيانات عملاقة لتشغيل النماذج المتقدمة، بدأت مشكلة بيئية جديدة تفرض نفسها على المدن والمجتمعات المحلية: الحرارة الهائلة التي تطلقها هذه المنشآت إلى المناطق المحيطة.
ففي الوقت الذي ينصب فيه التركيز عادة على استهلاك مراكز البيانات للكهرباء والمياه، يحذر باحثون من أن الحرارة الناتجة عن تشغيل آلاف الخوادم قد تتحول إلى عامل إضافي يزيد من ظاهرة “الجزر الحرارية الحضرية”، خاصة في المدن التي تعاني أساساً من درجات حرارة مرتفعة، بحسب وكالة بلومبرغ نيوز.
والجزر الحرارية الحضرية هي ظاهرة ارتفاع درجات الحرارة داخل المدن مقارنة بالريف المحيط بها. وتحدث بسبب امتصاص الأسفلت والمباني للحرارة، وغياب المساحات الخضراء، والحرارة المنبعثة من السيارات والمكيفات. وتتسبب في زيادة استهلاك الطاقة والإجهاد الحراري.
كيف تولد مراكز البيانات كل هذه الحرارة؟
تعمل مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي على مدار الساعة، وتعتمد على آلاف المعالجات والخوادم عالية الأداء.
ووفقا لوكالة بلومبرغ، يشير الخبراء إلى أن معظم الطاقة الكهربائية التي تستهلكها هذه المنشآت تتحول في النهاية إلى حرارة يجب التخلص منها.
فمركز بيانات واحد بقدرة تتجاوز 50 ميغاواط يمكن أن ينتج كمية من الحرارة تعادل تقريباً ما تولده 54 ألف وحدة سكنية، ليتم بعد ذلك طرد هذه الحرارة إلى الهواء الخارجي عبر أنظمة التبريد والمراوح العملاقة الموجودة على أسطح المباني.
تأثير يمتد إلى الأحياء السكنية
دراسة حديثة أجراها باحثون من جامعة ولاية أريزونا أظهرت أن أعمدة الهواء الساخن المنبعثة من مراكز البيانات يمكن أن تمتد لأكثر من 300 قدم خارج حدود المنشأة، فيما تم رصد ارتفاعات في درجات الحرارة على مسافات تصل إلى 500 متر باتجاه الرياح.
وفي مدينة فينيكس الأميركية، التي تعد من أكثر المدن حرارة في الولايات المتحدة، أظهرت الدراسة أن المناطق الواقعة في اتجاه الرياح القادمة من مركز بيانات تابع لشركة CyrusOne سجلت درجات حرارة أعلى بما يصل إلى 4 درجات فهرنهايت مقارنة بالمناطق الواقعة في الجهة المقابلة.
وقال ديفيد سايلور، معد الدراسة ومدير مدرسة العلوم الجغرافية والتخطيط الحضري في الجامعة، لوكالة بلومبرغ نيوز، إن مركز البيانات يشبه “حاسوباً محمولاً عملاقاً” يطلق باستمرار كميات ضخمة من الهواء الساخن إلى محيطه.
أميركا: هناك نمو قوي في استهلاك الكهرباء بسبب مراكز البيانات
مخاوف من تفاقم ظاهرة الجزر الحرارية
ويحذر الباحثون من أن توسع بناء مراكز البيانات في تجمعات ضخمة قرب المناطق السكنية قد يؤدي إلى مضاعفة تأثيرها الحراري.
ويمكن أن يؤدي ذلك إلى:
- زيادة استهلاك أجهزة التكييف في المنازل.
- رفع فواتير الكهرباء للسكان.
- تفاقم تأثيرات موجات الحر الناجمة عن تغير المناخ.
- التأثير على النظم البيئية المحلية.
- تغيير أنماط الرطوبة والأمطار على المدى الطويل.
ويرى علماء أن الحرارة الصادرة عن مراكز البيانات قد تصبح عنصراً دائماً في التخطيط الحضري خلال العقود المقبلة، بالتزامن مع التوسع الكبير في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي.
مقاومة متزايدة للمشروعات الجديدة
المخاوف البيئية عززت المعارضة الشعبية لمشروعات مراكز البيانات في الولايات المتحدة.
فبحسب بيانات حديثة، تم تعليق أو تأجيل ما لا يقل عن 45 مشروعاً لمراكز بيانات بين أبريل ويونيو 2026، بقيمة إجمالية تقدر بنحو 68 مليار دولار.
كما اتخذ مشرعون في ولايات مثل نيويورك وتكساس خطوات لتقييد أو مراجعة التوسع السريع في هذه المشروعات، وسط مطالب بإعطاء المجتمعات المحلية دوراً أكبر في الموافقة على مواقع الإنشاء.
سباق الذكاء الاصطناعي يفتح تحدياً جديداً
ورغم تأكيد مطوري مراكز البيانات أنهم يستخدمون تقنيات لتقليل امتصاص الحرارة وإعادة تدوير جزء منها، فإن الخبراء يرون أن وتيرة النمو الحالية للقطاع قد تجعل المشكلة أكثر وضوحاً خلال السنوات المقبلة.
وقال تيبو ديغور، مدير شركة EOLIOS Engineering الاستشارية، إن المشكلة لا تكمن فقط في زيادة عدد مراكز البيانات، بل أيضاً في ارتفاع القدرة التشغيلية لكل مركز جديد.
وأضاف أن الجمع بين هذين العاملين يؤدي إلى تصاعد الانبعاثات الحرارية بصورة كبيرة، خاصة عندما تُبنى المنشآت في تجمعات متقاربة.
الذكاء الاصطناعي يواجه معضلة جديدة
في الوقت الذي تتنافس فيه شركات التكنولوجيا على بناء بنية تحتية قادرة على دعم الطفرة الهائلة في الذكاء الاصطناعي، يبدو أن التحدي لم يعد يقتصر على توفير الكهرباء أو المياه، بل بات يمتد أيضاً إلى كيفية التعامل مع مليارات الوحدات الحرارية التي تولدها هذه المراكز يومياً.
ومع توسع الاستثمارات في مراكز البيانات العملاقة، قد يصبح السؤال المطروح أمام المطورين والسلطات المحلية في السنوات المقبلة: كيف يمكن تشغيل الذكاء الاصطناعي من دون تحويل المدن المحيطة إلى مناطق أكثر سخونة؟
حاسبيني: القدرة الحوسبية أصبحت سلعة يتم التداول عليها

