مضيق هرمز… صمام طاقة العالم
قد لا يهمك الكثير مما يحدث في أروقة السياسة أو دهاليز الاقتصاد العالمي وأنت تستعد لرحلتك القادمة أو تتسوق لاحتياجات منزلك. ولكن، هل فكرت يوماً أن تكلفة تذكرة سفرك، أو سعر السلعة التي تضعها في عربة التسوق، مرتبط بخيط رفيع يمتد لآلاف الكيلومترات؟
هذا الخيط هو “مضيق هرمز”، الشريان الذي يضخ الوقود في عروق الاقتصاد العالمي. عندما يضطرب هذا الشريان، لا تتأثر البورصات فحسب، بل يمتد الأثر ليتحول إلى ضغط خفي يلمس تفاصيل يومك، وربما يغير ملامح خططك المستقبلية دون أن تشعر.
خلف هذا المشهد المعقد، تكمن حقيقة اقتصادية يجب أن نعرفها: كيف أدى شلل هذا “الشريان” الحيوي إلى رفع فاتورة معيشتك بصمت، وما هو الرابط الخفي الذي يربط بين إغلاق المضيق وبين ما تدفعه في متجرك المحلي؟
ما وراء الأرقام.. لماذا هرمز تحديداً؟
لا يمكن وصف ما يحدث اليوم بأنه مجرد اضطراب تجاري عابر. بحسب تقرير نشرته “سي إن بي سي” واطلعت عليه “سكاي نيوز عربية”، يحذر فاتح بيرول، رئيس وكالة الطاقة الدولية، من أن العالم يواجه “أكبر تهديد لأمن الطاقة في التاريخ”.
الأرقام التي أوردها التقرير تضعنا أمام مشهد بالغ الخطورة، إذ خسر العالم بالفعل 13 مليون برميل من النفط يومياً، وسط اضطرابات كبيرة في السلع الأساسية. ويأتي هذا في ظل حصار الممر الذي كان يضخ يومياً ما معدله 20 مليون برميل من النفط ومشتقاته، مما يجعله -وفقاً للوكالة- أحد أهم ممرات عبور الطاقة في العالم.
الاختلاف عن أزمات الطاقة السابقة
وفي هذا السياق، يضع الخبير الاقتصادي هاشم عقل هذه الأزمة في إطار مقارن، واصفاً إياها بأنها “تجاوزت في تأثيرها كل ما شهدناه سابقاً”، حيث يحدد أربعة جوانب تجعلنا أمام “عاصفة طاقة شاملة”:
- أزمة تضرب كل الجبهات: بدلاً من أن نواجه مشكلة في نوع واحد من الوقود، نحن اليوم أمام عجز ضخم يطال النفط والغاز والمنتجات البترولية معاً في وقت واحد. هذا يعني أن العالم ليس فقط أمام نقص في مادة خام، بل أمام أزمة مركبة تؤثر على كل شيء، من وقود الطائرات إلى طاقة المصانع، مما يهدد بـ “شلل فعلي” في قطاعات حيوية.
- خسائر تاريخية وغير مسبوقة: حجم النقص الحالي في الإمدادات هو الأضخم على الإطلاق، حيث تتجاوز كميات النفط المفقودة اليوم بأضعاف ما خسره العالم في أزمات السبعينيات الشهيرة، مما يضع الأسواق العالمية تحت ضغط لم تعهده من قبل.
- اقتصاد اليوم.. “أكثر هشاشة”: يوضح عقل أن الاعتماد العالمي اليوم على الطاقة أكبر بكثير مما كان عليه في السبعينيات. اليوم، العالم مترابط لدرجة أن أي نقص في الإمدادات لا يؤثر على بلد واحد، بل يترجم فوراً إلى موجات غلاء وتضخم تصل إلى كل بيت حول العالم.
- المسكنات لا تكفي: يرى عقل أن الإفراج عن الاحتياطيات الاستراتيجية التي لجأت إليها الدول هو “مجرد مسكن مؤقت”، فهي توفر راحة لحظية لكنها لا تعالج “الجرح الحقيقي” المتمثل في توقف الإنتاج وغياب الطرق البديلة.
وعن مضيق هرمز، يختم عقل تحليله بأن المضيق لم يعد مجرد ممر مائي، بل تحول إلى “نقطة ضعف قاتلة” في نظام الطاقة العالمي، فالحصار جعله رهينة لقرار سياسي أو عسكري، مما يضع العالم اليوم أمام لحظة حقيقة تستوجب إعادة رسم خريطة الطاقة بعيداً عن هذه الاختناقات التي باتت تهدد استقرار الاقتصاد بأسره.
إغلاق مضيق هرمز .. فاتورة باهظة يدفعها العالم
تأثير الدومينو.. كيف تصل الأزمة إلى ميزانية الأسرة؟
الخطر لا يتوقف عند انخفاض المعروض النفطي، بل يمتد ليشكل ضغطاً مباشراً على حياة المستهلك. وبحسب تقرير الشبكة الأميركية، فإن أوروبا، التي كانت تعتمد على مصافي الشرق الأوسط في تأمين حوالي 75 بالمئة من وقود طائراتها، تواجه اليوم نقصاً حاداً يجعل هذه النسبة “تكاد تكون معدومة”.
هذا النقص دفع القارة العجوز للبحث عن بدائل في الولايات المتحدة ونيجيريا، مع تحذيرات صريحة من أن الفشل في تأمين هذه الكميات قد يفرض إجراءات قاسية، منها “الحد من السفر الجوي”. هكذا، تتحول أزمة مضيق بعيد إلى تعقيدات ملموسة في خطط السفر اليومية وتكاليف التنقل.
الأزمات لا تنتقل جغرافياً بل سعرياً
وهنا يوضح الخبير الاقتصادي حسين القمزي، في حديثه لموقع “اقتصاد سكاي نيوز عربية”، حقيقة جوهرية بقوله: “إن الأزمات لا تنتقل جغرافياً ، بل سعرياً، فمثلاً تأثير إغلاق مضيق هرمز، ينتقل إلى حياة المستهلك اليومية عبر ما يمكن ان نسميه ب(لسلة انتقال الأسعار)، وليس عبر الجغرافيا من حيث القرب او البعد عن موقع الأزمة”.
ويؤكد القمزي أن فقدان نحو 13 مليون برميل يومياً من الإمدادات النفطية، وتعطل مرور ما يقارب 20 مليون برميل يومياً عبر المضيق، يدفع الأسعار العالمية للطاقة إلى الارتفاع الفوري، نظراً لاختلال التوازن بين العرض والطلب. والطاقة تمثل عنصراً أساسياً في تكلفة معظم الأنشطة الاقتصادية، من النقل والشحن إلى التصنيع، وبالتالي فإن أي ارتفاع في أسعارها ينعكس مباشرة على تكاليف التشغيل.
فالنفط ليس مجرد وقود سيارات… فهو يدخل في النقل، الشحن البحري، الطيران، التصنيع والبلاستيك والتغليف. ارتفاع تكاليف الشحن- على سبيل المثال- بسبب ارتفاع تكلفة الديزل ، ترفع قيمة الغذاء لأن المُزارع ينقل محصوله بالشحن البري، وكذلك قطاع الطيران الذي هو من أول القطاعات تأثراً، خاصة في أوروبا التي تعتمد بنحو 75 بالمئة على واردات وقود الطائرات من الشرق الأوسط، ما يترجم سريعاً إلى ارتفاع في أسعار التذاكر، بحسب تعبيره.
ويشرح القمزي أن ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين وإطالة مسارات النقل يؤدي إلى زيادة تكلفة السلع المستوردة، وهو ما يدفع الشركات إلى نقل هذه الزيادات إلى المستهلك النهائي، في ظاهرة تُعرف بـ(التضخم المدفوع بالتكاليف).
ويوضح الخبير الاقتصادي القمزي أن سرعة انتقال هذه التأثيرات تعود إلى طبيعة الأسواق العالمية التي تسعّر التوقعات المستقبلية بشكل فوري، حيث تتفاعل أسعار النفط خلال ساعات، وتتبعه تكاليف النقل خلال أيام، ثم تصل الزيادات إلى المستهلك خلال فترة قصيرة.
ويختم القمزي بقوله: “التأثير لا يقتصر على الدول القريبة من الأزمة، بل يمتد عالمياً وينتشر عبر آلية الأسعار، حيث تؤدي إعادة توجيه الطلب إلى الموردين البديلين إلى رفع الأسعار على نطاق واسع، وهذا يجعل المستهلك في أي مكان وفي أي بلد عرضة لتحمل تبعات هذه الأزمات”.
وهم الحلول.. متى ينتهي النفق؟
في محاولة لتخفيف الصدمة، وافقت الدول الأعضاء في وكالة الطاقة الدولية (32 دولة) في مارس الماضي على الإفراج عن 400 مليون برميل من مخزونات الطوارئ. لكن بحسب تقرير الشبكة الأميركية، يبدو أن هذا الإجراء ليس سوى “مسكن للألم” وليس علاجاً للأزمة. فقد أوضح بيرول، أن هذه الخطوة تمنح الاقتصاد “نفساً مؤقتاً” فقط.
وشدد على أن الحل الجذري والوحيد يكمن في فتح مضيق هرمز لاستئناف الصادرات، مؤكداً أن الإفراج عن المخزونات لن يكون حلاً نهائياً.
وسط هذه الضبابية، تبرز ضرورة ملحة لإعادة التفكير في مفهوم “القدرة على الصمود”. ووفقاً للتقرير، يحث بيرول الحكومات على عدم الاكتفاء بالحلول الآنية، بل المضي قدماً في تعزيز مصادر الطاقة البديلة، بما في ذلك الطاقة النووية، وتشجيع تبني تقنيات أكثر كفاءة مثل السيارات الكهربائية، فالرسالة التي يبعثها هذا الواقع هي أن المستقبل يحتاج إلى تحرير الاقتصاد العالمي من عبودية المسارات الواحدة، ليصبح أمن الطاقة ركيزة ثابتة، لا تتأثر بتقلبات ممر مائي واحد.
ارتفاعات جنونية لأسعار البنزين تضع العالم في ورطة

