في السابق كان الإنفاق بسخاء يعد رمزا للمكانة الاجتماعية. أما اليوم، فيؤكد المتسوقون الصينيون أن الأهم هو اقتناص أفضل صفقة بأقل سعر، في تحول يضغط بقوة على العلامات الأوروبية الفاخرة. ويأتي ذلك في وقت يواصل فيه اقتصاد الصين، الذي نما بنسبة 4,5% على أساس سنوي في الربع الثالث، مواجهة ضعف في الطلب المحلي. وكان المستهلكون الصينيون في ما مضى من أكبر مشترين للعلامات الغربية الفاخرة، إذ شكلوا نحو ثلث الإنفاق العالمي وجنوا شركات مثل LVMH و”هيرمس” مليارات الدولارات.
اعلان
اعلان
لكن حتى هذه الأسماء العالمية في عالم الموضة بدأت تشعر بتباطؤ الطلب، إذ ألقت LVMH مؤخرا باللوم على “تباطؤ الطلب في الصين” في تراجع المبيعات العضوية في قسم الأزياء والمنتجات الجلدية خلال الربع الثالث. ودفعت سياسة شد الأحزمة لدى المستهلكين هذه الشركات إلى إعادة النظر في استراتيجياتها، فأغلقت “لويس فويتون” خمس نقاط بيع في البر الرئيسي الصيني خلال العامين الماضيين، من بينها متجر شوكولاتة في شنغهاي، بينما أغلقت “غاليري لافاييت” متجرها الرئيسي في بكين في أيار/مايو. ويتجه المستهلكون اليوم أكثر إلى سوق السلع الفاخرة المستعملة أو إلى شراء علامات محلية جديدة؛ فبعد تراجع سوق السلع الكمالية الشخصية في بر الصين الرئيسي بنسبة تراوحت بين 18 و20% في 2024، تقلصت مجددا بين 3 و5% في 2025، في حين نما سوق السلع الفاخرة المستعملة بين 15 و20%، بحسب شركة الاستشارات “باين أند كومباني”. وقالت معلمة الرقص يوان لوكالة “فرانس برس” في مساحة تجارية جديدة وسط شنغهاي تعج بحقائب وأحزمة ومجوهرات فاخرة مستعملة: “كان الناس يقارنون في السابق من أنفق أكثر”، قبل أن تضيف أن “الجميع اليوم يقارن من حصل على أفضل صفقة وأنفق أقل”، وهي شابة تبلغ من العمر 24 عاما.
وتقدّر شركة الاستشارات المحلية “إنسايت آند إنفو كونسالتينغ” أن إجمالي مبيعات السلع الفاخرة المستعملة بلغ 38,4 مليار يوان (5,1 مليار يورو) في 2025، مع توقع أن يتجاوز 100 مليار يوان (13,3 مليار يورو) بحلول 2030.
وفي متجر “سوبر تشوانتشوان” الجديد في شنغهاي، يُطلب من الزبائن ارتداء قفازات سوداء لتفادي لمس المنتجات بأصابع دهنية. وتوضح الزبونة فيبي ما، التي تبلغ من العمر 24 عاما، أن جيل والدتها كبر في زمن “لم تكن فيه الصين متطورة إلى هذا الحد” ولم يكن الناس يعرفون سوى عدد محدود من العلامات الفاخرة، مضيفة: “لذلك تكوّن لديهم انطباع راسخ بأن “لويس فويتون” هي الأفضل على الإطلاق والأكثر مكانة”. وتتابع: “أشعر أن شعار “إل في” المزين بالأحرف المتداخلة أصبح قديما؛ إنه يناسب جيل والدتي، بينما يفضّل أبناء جيل “زد” اليوم شراء العلامات الكورية الرائجة”.
“العمل بجد للبقاء حاضرة”
يقول تشن لو، رئيس أبحاث المستهلكين في الصين لدى “بنك أوف أميريكا”، إن المتسوقين باتوا يبتعدون عن ربط الرفاهية حصرا بالمكانة الاجتماعية، ويتجهون أكثر نحو مفاهيم “الهوية الذاتية، والتميّز، والتجربة، والجودة، والقيمة العاطفية، والارتباط الثقافي”. ويضيف لو لوكالة “فرانس برس” أن “مشهد تجارة التجزئة في الصين يعتمد بدرجة كبيرة على العالم الرقمي ووسائل التواصل الاجتماعي، كما أن المنظومة الرقمية في الصين فريدة من نوعها”، محذّرا من أن “العلامات الأجنبية مطالبة بالعمل بجد كبير للبقاء حاضرة في هذا السياق”. ويزيد من صعوبة الوضع أمام العلامات الغربية تصاعد الاحتكاكات الثقافية والقانونية.
فقد رفعت “لويس فويتون” أخيرا دعوى قضائية ناجحة ضد سلسلة المشروبات الصينية “مولي تي” بتهمة انتهاك علامتها التجارية بسبب استخدامها نقشة زهرة بأربع بتلات تشبه شعار الشركة الفرنسية، فيما أعلنت “مولي تي” عزمها الاستئناف. لكن الدعوى أثارت موجة انتقادات على الإنترنت بعد أن رأى مستخدمون صينيون ووسائل إعلام رسمية أن هذا الزخرف مستوحى من نقوش صينية تقليدية قديمة، ما دفع المتسوقة إيكو وانغ، التي تعمل في مجال التسويق وتبلغ من العمر 31 عاما، إلى القول: “يبدو الأمر عبثيا بعض الشيء؛ قد تكون “مولي تي” ناجحة في الصين، لكنها بعيدة جدا عن الحضور العالمي لـ “لويس فويتون”… أعتقد أن بعض الناس شعروا بأن الدعوى لم تكن في محلها”. وتقر إدارة LVMH بأن حقوق الملكية الفكرية تمثل “أصولا أساسية لا غنى عنها”، لكنها أقرت أيضا بأن الجدل “كان له أثر سلبي”. ومع ذلك يؤكد المحللون أن السوق الصينية لا تزال حيوية لصناعة الرفاهية العالمية؛ إذ يقول لو: “في رأينا ستظل الصين سوقا مهمة، حتى إن لم تعد محركا للنمو خلال عامين إلى ثلاثة أعوام”، مضيفا أن “الإنفاق على السلع الفاخرة يميل عادة إلى التعافي بالتوازي مع الاقتصاد، لأن الطبقات الثرية تكون في العادة أول من يستفيد من بوادر التعافي الاقتصادي”.

