بقلم: محمد نشبت مع يورونيوز
نشرت في
يشهد اقتصاد قطاع غزة انهياراً غير مسبوق بعد الحرب، مع تراجع حادّ في النشاط التجاري وارتفاع متسارع في الأسعار، في ظل قيود مشددة على دخول البضائع عبر المعابر.
اعلان
اعلان
في سوق النصيرات وسط القطاع، لم يعد السؤال: ما سعر هذه البضاعة؟ بل أصبح: هل سيبقى السعر نفسه حتى يعود الزبون غداً؟
أحمد أبو مغصيب، بائع ملابس من سكان النصيرات، لا يشتكي فقط من الغلاء، بل من انهيار الثقة بينه وبين زبائنه. يقول إنه وعد زبونة بسعر لبنطلون، وحين عادت لأخذه كان السعر قد ارتفع، بعد زيادة تكلفة “التنسيق”، وهي رسوم تُفرض مقابل إدخال البضائع عبر المعابر من خلال تجار محدّدين.
“ارتفعت القطعة من ثلاثة إلى خمسة إلى سبعة شيكل، وأنا مضطر أحملها على الزبون، وهو برضو ما عنده”، يقول، أحمد قبل أن يضيف: “لا يصدقونني… الزبون بصير يقول لي إنت وعدتني بسعر ثاني”، واصفاً كيف تراجعت عملية البيع من “دسّات” يومية إلى “حبّة حبّتين” (أي قطعة وقطعتين).
في السوق نفسه، وبلغة الأرقام يشرح منتصر أبو حسنين، وهو من سكان دير البلح، التحولات التي حدثت. يقول إن تكلفة التنسيق التي كانت تتراوح بين أربعة إلى خمسة آلاف شيكل (1682.12 دولارا)، ارتفعت إلى نحو خمسة عشر ألفاً (5046,34 دولارا)، ما انعكس مباشرة على الأسعار.
“البنطلون اللي كان ينباع بخمسة وعشرين شيكل (8,41 دولار) صار بخمسة وثلاثين (11,77 دولار) ، بس ما حدا بيشتري”، يضيف منتصر مشيراً إلى أن حجم المبيعات اليومية تراجع من عشرات القطع إلى أقل من النصف.
ولا يقتصر التأثير على الأسعار فقط، بل يمتد إلى بنية السوق نفسها. إذ أن شحّ السيولة وارتفاع كلفة الاستيراد دفعا التجار إلى تقاسم الشحنات. والحاوية التي كانت تُستورد لصالح تاجر واحد، باتت اليوم تتوزع بين ثلاثة أو أربعة تجار، بعد أن أصبح تمويلها الكامل خارج قدرة معظمهم، في محاولة لتقاسم كلفة التنسيق المرتفعة.
أحمد القدرة، بائع أحذية من سكان مخيم المغازي، يوضح حجم القفزة في تكاليف الاستيراد. يقول إن شحن “مشطاح” أحذية كان يكلفه نحو ألف دولار قبل الحرب، بينما يصل اليوم إلى خمسة آلاف دولار للشحن فقط.
ويضيف أن الرسوم المرتبطة بإدخال هذه الكميات باتت تتجاوز 160 ألف دولار، ما دفع العديد من أصحاب محال الأحذية إلى الإغلاق. “سكّرت أغلب محال الأحذية”، يقول، قبل أن يضيف: “مش أي حد بقدر يكمّل… السوق صار للتجار الكبار بس”.
نظام “التنسيقات” وراء غلاء الأسعار
هذه الشهادات تعكس واقعاً اقتصادياً أوسع. فبحسب بيانات الغرفة التجارية في غزة، بلغت إجمالي رسوم التنسيقات المدفوعة لإدخال البضائع نحو 805 ملايين دولار حتى مارس 2025، في مؤشر على حجم الكلفة التي أعادت تشكيل السوق.
وتُفرض هذه الرسوم، التي قد تتجاوز أحياناً مئة ألف شيكل للشاحنة الواحدة، ضمن آلية تقيّد دخول البضائع عبر عدد محدود من التجار، ما أسهم في تركّز السيطرة على السوق ورفع التكاليف على باقي التجار، والتي تُنقل بدورها إلى المستهلك النهائي.
وتشير تقديرات الغرفة التجارية إلى أن الأسعار ارتفعت بين 200 و500% مقارنة بما قبل الحرب، وهو ما يفسر القفزات التي يصفها التجار في الأسواق.
ويقول الخبير الاقتصادي أحمد أبو قمر إن ما يجري في أسواق غزة “يتجاوز موجة غلاء تقليدية إلى تحول بنيوي في شكل الاقتصاد”، موضحاً أن “السوق لم يعد يعمل وفق قواعد العرض والطلب الطبيعية، بل وفق قيود مفروضة على الكميات الداخلة وآليات توزيعها، ما خلق اقتصاداً مغلقاً يتحكم فيه عدد محدود من الفاعلين”.
ويضيف أن هذا الواقع أفرز ما يمكن وصفه بـ”اقتصاد الندرة”، حيث لا يعكس حجم النقد المتداول النشاط الاقتصادي الحقيقي، بل يعكس حجم القيود المفروضة على السوق، في ظل تشوهات متزايدة تضرب بنية الأسعار.
أرقام تؤكد عمق الأزمة
تشير بيانات مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية إلى أن الناتج المحلي الإجمالي للقطاع تراجع إلى نحو 161 دولاراً للفرد سنوياً، وهو من أدنى المستويات عالمياً، فيما تجاوز التضخم 238%، وارتفع معدل البطالة إلى أكثر من 80%، مع وقوع معظم السكان البالغ عددهم 2.3 مليون نسمة تحت خط الفقر.
على الصعيد الآني، سجّل الرقم القياسي لأسعار المستهلك في قطاع غزة ارتفاعاً بنسبة 12.42% خلال آذار 2026 مقارنة بالشهر السابق، وفق بيانات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، في مؤشر على تسارع موجة الغلاء.
كما ارتفعت أسعار السلع الأساسية بنحو 37.9% خلال شباط من العام نفسه، ما يعكس ضغوطاً متراكمة على القدرة الشرائية للسكان. وشمل الارتفاع سلعاً أساسية، بينها البطاطا بنسبة 104%، والطحين 43%، والغاز 47%.
ويُجمع تجار وخبراء على أن المعابر تمثل العامل الحاسم في هذا الواقع، إذ لا تتجاوز كميات البضائع التي تدخل القطاع 15 إلى 20% من احتياجاته الفعلية، ما يؤدي إلى تقلبات يومية حادة في الأسعار.
في هذا السياق، برز نظام “التنسيقات”، وهو آلية تقيّد إدخال البضائع عبر تصاريح تُمنح لعدد محدود من التجار، ما أسهم في تركّز السيطرة على السوق ورفع التكاليف على باقي التجار، والتي تُنقل بدورها إلى المستهلك النهائي.
ولا تقف الأزمة عند حدود السلع، بل تمتد إلى السيولة النقدية. فشحّ النقد وارتفاع عمولات “التكييش” إلى أكثر من 40% أفرزا واقعاً بسعريْن للسلعة الواحدة، سعرٌ نقدي وآخر إلكتروني أعلى منه، في مشهد يعكس تشوّهاً متزايداً في بنية السوق.
وتتجلى أبعاد الخسائر في تقديرات الأمم المتحدة، التي تشير إلى أن الأضرار المادية بالبنية التحتية في غزة بلغت نحو 35.2 مليار دولار، فيما تُقدَّر الخسائر الاقتصادية والاجتماعية بنحو 22.7 مليار دولار.
أما احتياجات التعافي وإعادة الإعمار، وبحسب تقارير أممية وأوروبية، فتتجاوز 71.4 مليار دولار على مدى عشر سنوات، منها 26.3 مليار دولار مطلوبة خلال الأشهر الثمانية عشر الأولى لاستعادة الخدمات الأساسية ودعم الاقتصاد.
في أسواق القطاع، يقف التجار أمام معادلة صعبة: كلفةٌ مرتفعة، طلبٌ ضعيف، وهامش ربح شبه معدوم. يقول منتصر أبو حسنين: “فيش بضاعة، وفيش مشترٍ بكميات، وفيش ربح… بس لازم نكمّل”.
وبين حسابات يومية متقلبة، يحاول أحمد أبو مغصيب الحفاظ على ما تبقى من علاقته بزبائنه، فيما يواجه أحمد القدرة واقعاً يهدد بإغلاق ما تبقى من المحالّ.
“مين المسؤول عن هذا الغلاء ومن وين بيجي؟”
سؤال يطرحه التجار يومياً، في سوق لم يعد يحكمه منطق واضح.
في ظل هذه المعطيات، يبدو اقتصاد غزة عالقاً بين قيود خارجية خانقة وقدرة داخلية محدودة على الصمود، دون مؤشّرات واضحة على استقرار قريب.

