شهدت فرنسا، السبت، تظاهرات واسعة احتجاجًا على ارتفاع تكاليف المعيشة، بمشاركة أكثر من نصف مليون شخص، وفقًا لنقابة، فيما اندلعت مواجهات بين متظاهرين والشرطة في العاصمة باريس.
اعلان
اعلان
وأفاد مصدر قريب من الملف وكالة فرانس برس بأن متظاهرا فقد يده السبت في مدينة سانت إتيان بوسط فرنسا، جراء انفجار عبوة أطلقتها قوات الأمن.
وتضاف هذه الإصابة البالغة التي أتت في سياق يوم الاحتجاجات الحاشدة على غلاء المعيشة، إلى واقعة مماثلة حصلت في مدينة لانس بشمال فرنسا مطلع تشرين الأول/اكتوبر أثناء الاحتجاجات الطلابية.
وفي باريس، استخدمت الشرطة الغاز المسيل للدموع وخراطيم المياه لتفريق مئات المحتجين، بعدما أطلق بعض المتظاهرين مقذوفات وألعابًا نارية باتجاه عناصر الأمن.
وألقت الشرطة القبض على 133 شخصًا في العاصمة، وسط أعمال عنف رافقت الاحتجاجات.
قنابل صوتية
في السياق نفسه، أعلن وزير الداخلية الفرنسي لوران نونيز أن نحو 550 ألف شخص شاركوا في الاحتجاجات التي شهدتها البلاد، السبت، رفضًا لارتفاع تكاليف المعيشة، بينهم 110 آلاف في العاصمة باريس، مشيرًا إلى توقيف 400 شخص.
وكان نونيز قد صرّح بأن الشرطة قد تستخدم القنابل الصوتية خلال المظاهرات، رغم تعليق استخدامها في الاحتجاجات الطلابية التي انطلقت في 17 سبتمبر/أيلول الماضي، بعدما فقد فتى إحدى يديه إثر التقاطه قنبلة صوتية.
وفي موازاة ذلك، فتحت الهيئة المعنية بالرقابة على الشرطة تحقيقات في ما لا يقل عن 24 اتهامًا باستخدام عناصر الأمن العنف ضد المتظاهرين. من جهته، أكد رئيس الوزراء الفرنسي سيباستيان لوكورنو إصابة أكثر من 900 شرطي خلال الاحتجاجات.
وبدأت التظاهرة الرئيسية في باريس في إطار التعبئة الوطنية احتجاجا على غلاء المعيشة، في موعدها المحدد بعيد الثانية بعد ظهر السبت (ظهرا بتوقيت غرينتش)، رغم وقوع صدامات مع قوات الأمن، بحسب مراسلي وكالة فرانس برس.
ويشارك في التظاهرة محتجون من حركة “السترات الصفراء”، وطلاب مدارس ثانوية وجامعات، إضافة إلى ناشطين في مجال المناخ وغيرها من القطاعات. ومن المقرر أن تتجه الى ساحة كليشيه في شمال المدينة عبر مسار سمحت به الشرطة التي حظرت التجمع في أماكن أخرى وخصوصا حول مقرات رسمية، مثل قصر الإليزيه الرئاسي وماتينيون (مقر رئاسة الوزراء)، وجادة الشانزليزيه.
وشهدت عدة مدن فرنسية، السبت، احتجاجات على غلاء المعيشة وتردي الأوضاع الاجتماعية، تخللتها مواجهات بين متظاهرين وقوات الأمن في باريس، واقتحام مبنى بلدية مارسيليا وأعمال شغب.
وفي العاصمة باريس، استخدمت الشرطة الغاز المسيل للدموع لتفريق مئات المحتجين في ساحة الجمهورية، قبيل انطلاق تظاهرة مقررة عند الساعة الثانية بعد الظهر بالتوقيت المحلي، بحسب مراسلين لوكالة فرانس برس.
وارتدى معظم المتظاهرين ملابس سوداء وأخفوا وجوههم بأقنعة، فيما ألقى بعضهم مقذوفات وألعابًا نارية باتجاه عناصر الشرطة، التي انتشرت بأعداد كبيرة في عدد من أحياء العاصمة.
وفي مدينة ليون، اندلع حريق في مكتب السياحة بمدينة ليون الفرنسية، فيما أقدم محتجون على استهداف واجهة المبنى، وفق ما أفادت به معلومات أولية.
وفي حادثة أخرى، هاجم نحو مئة متظاهر مقر قناة “سي نيوز” التلفزيونية، المملوكة للملياردير الفرنسي فانسان بولوريه، وألقوا مقذوفات على واجهتها. وأعلنت الشرطة توقيف 21 شخصًا على خلفية الحادثة، إضافة إلى 40 آخرين في باريس، خصوصًا لحيازتهم معدات حماية أو أسلحة محظورة.
وكانت السلطات قد فرضت حظرًا على التظاهر في مناطق واسعة من العاصمة، تحسبًا لوقوع اضطرابات.
أما في مارسيليا، ثاني أكبر مدن فرنسا، فاقتحم محتجون ملثمون مبنى البلدية لفترة وجيزة، بعدما استخدموا حواجز أمنية لخلع أحد أبوابه، وفق مراسل وكالة فرانس برس. وقد رسم أحد المحتجين رمزًا للحركة الفوضوية (الأناركية) على أحد الجدران، قبل أن تتدخل الشرطة.
وخلال الاقتحام، هتف أحد المتظاهرين: “نحن نقتحم سجن الباستيل”، في إشارة إلى اقتحام السجن الشهير خلال الثورة الفرنسية عام 1789.
وأغلقت في مارسيليا جادة برادو مؤقتًا باستخدام حاويات نفايات ودراجات سكوتر، قبل أن تتدخل الشرطة لإعادة فتحها.
وامتدت التحركات إلى مدن أخرى، إذ حاول نحو أربعين شخصًا تعطيل حركة المرور على أحد الجسور في ليون، بينما سعى محتجون آخرون إلى التجمع قرب مصفاة. وفي مدينة رين، أقام متظاهرون حاجزًا باستخدام حاويات نفايات وألواح كبيرة قرب مركز تجاري.
فئات مختلفة
وتأتي هذه التطورات في إطار دعوات إلى تحرك احتجاجي واسع يجمع فئات مختلفة من المجتمع الفرنسي، في ظل ارتفاع أسعار الوقود وتراجع القدرة الشرائية، إلى جانب مطالب طلابية بتحسين ظروف التعليم.
وقالت الطالبة أود، التي أخفت وجهها بقناع، لوكالة فرانس برس: “نحن هنا للتنديد بالموارد الرديئة التي تُخصّص للتعليم وبعنف الشرطة”، مضيفة أن الشباب يريدون الدراسة في ظروف لائقة.
وأُعلن عن نحو 1500 مبادرة احتجاجية في أنحاء البلاد عبر الموقع الإلكتروني المخصص للحراك، فيما تحدثت أوساط مقربة من وزير الداخلية عن توقع تنظيم 500 تحرك، بينها أكثر من 90 تظاهرة.
وبحسب مصدر في الشرطة نقلت عنه وكالة فرانس برس، أشارت التقديرات إلى احتمال مشاركة نحو 200 ألف شخص في الاحتجاجات، بينهم 40 ألفًا في باريس.
وتأتي هذه التعبئة بعد أسابيع من الاحتجاجات الطلابية، وقبل دعوة نقابية إلى التظاهر والإضراب في الخامس من نوفمبر/تشرين الثاني للمطالبة بتحسين الأجور والخدمات.
ردود فعل فرنسية
أكد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، السبت، أنه “لا مكان للعنف في جمهوريتنا”، متوعدًا بملاحقة المتورطين في مهاجمة المحال التجارية ومقار البلديات قضائيًا ومعاقبتهم.
وشدد على أن السلطات ستواجه من وصفهم بـ”مثيري الفوضى”الذين يمنعون المتظاهرين السلميين من التعبير عن مطالبهم.
من جهته، أكد رئيس الوزراء الفرنسي سيباستيان لوكورنو أن الحكومة لن تسمح بفرض أي أجندة سياسية عبر “العنف في البلاد”.
وقال -في بيان نشره على منصة إكس- إن تعليمات الحكومة واضحة بمنع الاعتداءات وحماية الأشخاص والممتلكات واعتقال مرتكبيها وإحالتهم للقضاء، مضيفا أن الشرطة واجهت عنفا وتستحق “الدعم بالكامل”.
وصرح بأن الحكومة تستكمل مناقشة مشروع قانون يلزم المخربين بتحمل كلفة الأضرار بدلا من تحميلها للمال العام.
من جهتها، اتهمت مرشحة اليمين المتطرف في الانتخابات الرئاسية الفرنسية مارين لوبان، التي تسعى لاقتناص أفضل فرصة لها للوصول إلى السلطة في انتخابات العام المقبل، من وصفتهم بـ”مثيري الشغب” بتشويه الاحتجاجات المنددة بارتفاع تكاليف المعيشة.
وكتبت لوبان على منصة “إكس”: “أعمال النهب والسلب والاعتداء على الشرطة؛ لقد لوّث مثيرو الشغب مجددا مظاهرات 17 أكتوبر/تشرين الأول المتعلقة بتكاليف المعيشة”، مضيفة أن مطالب المحتجين قد “اختُطفت من قبل أقصى اليسار”.
مخاوف من تكرار احتجاجات “السترات الصفراء”
وتعيد التحركات الحالية إلى الأذهان احتجاجات “السترات الصفراء” التي اندلعت في فرنسا عام 2018 رفضًا لزيادة الضرائب على الوقود، قبل أن تتوسع إلى مطالب اقتصادية واجتماعية، وتشهد مواجهات مع الشرطة وقطعًا للطرق ومواقع حيوية.
وكانت تلك الاحتجاجات من أبرز الأزمات التي واجهها الرئيس إيمانويل ماكرون خلال ولايته الأولى، ولا سيما بعد انتشار صور المواجهات وأعمال العنف في جادة الشانزيليزيه بالعاصمة باريس.
وفي ظل المخاوف من اتساع الاحتجاجات، دعا ماكرون، الجمعة من بروكسل، إلى “الهدوء والاحترام”، مؤكدًا أن الحق في التظاهر يجب أن يقترن باحترام الأشخاص والممتلكات.
وكان الرئيس الفرنسي قد اعتبر، بحسب متحدثة حكومية، أن المطالب الطلابية المشروعة يجري استغلالها لأغراض سياسية.
وفي المقابل، أعلن زعيم حزب “فرنسا الأبية” اليساري جان لوك ميلانشون دعمه للحراك الطلابي، وشارك في إحدى التظاهرات بباريس، بينما أعرب حزب “التجمع الوطني” اليميني المتطرف عن تأييده للشرطة، محمّلًا الطلاب مسؤولية أعمال العنف.
ومع استمرار الدعوات إلى الاحتجاج، يبقى حجم التعبئة ومدى قدرتها على الاستمرار غير واضحين، خصوصًا أن التحركات تتزامن مع بداية عطلة مدرسية، فيما تتباين مطالب المشاركين بين تحسين ظروف التعليم ومواجهة غلاء المعيشة ورفع الأجور.

