على الرغم من عضويتها في حلف شمال الأطلسي “الناتو” وعلاقتها القوية بإدارة الرئيس دونالد ترامب، تواصل تركيا تمسكها بموقفها الرافض للتهديدات الأمريكية بتوجيه ضربة عسكرية لطهران على خلفية الاحتجاجات الشعبية التي تشهدها الجمهورية الإسلامية منذ نحو 3 أسابيع.
موقف أنقرة بات أوضح مع تصريحات وزير خارجيتها هاكان فيدان، الذي أكد أن بلاده “لن تتهاون مع احتمال استخدام العنف ضد إيران”.
فيدان قال، الخميس خلال مؤتمر صحفي بمدينة إسطنبول التركية، إنه يأمل بتسوية الخلافات بين طهران وواشنطن عبر المفاوضات.
كما أبدى معارضته لأي حلول عسكرية، مضيفًا أن “أنقرة ستواصل طرح المبادرات الدبلوماسية بشأن إيران”، وأن “الأولوية هي تجنب زعزعة الاستقرار”.
موقف حذر
وفي ظل التصعيد الحالي بين إيران والولايات المتحدة، يتسم الموقف التركي بالحذر، حيث تخشى أنقرة أي انفجار شامل على حدودها الشرقية قد يؤدي إلى موجات نزوح جديدة أو اضطرابات أمنية واقتصادية.
وفي السياق، شدد فيدان على أن تركيا تولي منذ البداية أهمية كبيرة لمسألتي الاستقرار والأمن الإقليميين، لافتا إلى أن المنطقة تعاني العديد من المشكلات المتوارثة من الماضي والتي تطورت عبر الزمن.
وقال: “طبعا بوصفنا جيرانا وأصدقاء لإيران، نعبّر مرارا وبصدق عن آرائنا بكل وضوح. فنحن دولتان جارتان تربطنا حدود ثابتة لم تتغير منذ قرون، كما أن الشعبين متشابهان إلى حد كبير، وتجمعهما علاقات تجارية واجتماعية كثيفة”.
وأضاف: “لذلك ومن منطلق أن كل ما يجري في إيران يعنينا عن قرب، فإننا نتابع هذه التطورات باهتمام شديد”.
وفي الوقت ذاته، تواصل الدفاعات التركية مراقبة الحدود الإيرانية التي يبلغ طولها 560 كيلومترا على مدار الساعة، بدعم من قوات حرس الحدود والطائرات المُسيّرة.
وفي السياق، قال زكي أكتورك، المتحدث باسم وزارة الدفاع التركية، خلال مؤتمر صحفي: “رغم غياب أي مؤشرات على هجرة جماعية حتى الآن، فقد تم اتخاذ استعدادات أمنية إضافية على الحدود، وسنلجأ إليها فور ظهور أي تطورات تستدعي ذلك”.
وأعلنت وزارة الدفاع التركية استكمال تركيب 203 أبراج كهروضوئية، و43 برجا مزوّدة بمصاعد، وبناء 380 كيلومترا من الجدران الخرسانية، وحفر 553 كيلومترا من الخنادق على طول الحدود مع إيران.
ما موقف تركيا من الاحتجاجات؟
ورغم رفضها للتدخل الخارجي في إيران، تعتبر أنقرة أن لإيران “مشاكل داخلية ومطالب اقتصادية مشروعة”، محذّرة في الوقت نفسه من أن استغلال هذه الاحتجاجات من قبل أطراف خارجية، في إشارة إلى إسرائيل، سيؤدي إلى تعميق الأزمة.
وتعتبر تركيا أن عودة الهدوء إلى إيران في أقرب وقت، ممكنٌ دون تدخلات خارجية، من خلال معالجة جذور المشكلة وتطبيق الإصلاح في المؤسسات الحكومية، بشكل يُلّبي تطلعات الشعب”.
وترى أنقرة أنه على الحكومة في إيران أن تستمع إلى مطالب الشعب وتنفيذها، أي أن المشكلة يجب أن تحلّ داخلياً في إيران.
كما يحث المسؤولون الأتراك نظراءهم الإيرانيين على انتهاج “الدبلوماسية” لحل الملف النووي لتقليل الضغط الاقتصادي.
عضوية الناتو
وفي الجهة المقابلة، تحاول تركيا ثني إدارة ترامب عن تنفيذ تهديداتها العسكرية، محذرة من تداعيات ذلك على أمن حلف الناتو ومصالح المنطقة.
وتُعتبر علاقةُ تركيا بحلف شمال الأطلسي العقدةَ الأكثر تشابكاً في تعاملها مع التصعيد الأمريكي الإيراني، حيث تسعى أنقرة إلى التوفيق بين التزاماتها كعضو في الحلف وبين مصالحها كدولة جارة لإيران.
وتعتبر قاعدة “كورجيك” الرادارية النقطة الأكثر حساسية، حيث تقع القاعدة في ولاية ملاطيا التركية وتضم رادراً متطوراً تابعاً للناتو (AN/TPY-2).
وفي ظل التهديدات الأمريكية، حذرت طهران جيرانها، ومنهم تركيا، من أنها ستشن هجمات على القواعد الأمريكية في حال شنت واشنطن هجوما على إيران.
استهداف إيران
خلال تصعيد صيف 2025، هددت طهران بأن “كورجيك” ستكون هدفاً مشروعاً إذا استُخدمت بياناتها لتسهيل الضربات الأمريكية، وهو ما قد يضع تركيا في مواجهة مباشرة لحماية أصول الناتو على أرضها.
وحتى في ذلك الوقت، كان موقف تركيا من الضربات الجوية الأمريكية التي استهدفت منشآت تخصيب اليورانيوم الإيرانية في تموز/ يونيو 2025 يتسم بالرفض الدبلوماسي الشديد والتحذير من “سيناريو كارثي”، مع حرصها على ألا تقطع “شعرة معاوية” وتحافظ على العلاقة القوية التي تربطها بواشنطن رغم حساسية الموقف.
وكانت تركيا ترى في ضربات الصيف الماضي تهديداً مباشراً لأمنها القومي من خلال خطر التسرّب الإشعاعي، وفرضية النزوح، وانهيار التجارة، فسعت إلى تهدئة الوضع، مع التمسك برفض الحلول العسكرية العابرة للحدود.
وفي 22 تموز/ يونيو 2025، وعقب الهجمات التي استهدفت منشآت فوردو ونطنز وأصفهان في إيران، أصدرت وزارة الخارجية التركية بياناً شديد اللهجة، حيث وصفت أنقرة الهجوم بأنه يرفع مخاطر زعزعة الاستقرار في المنطقة إلى “أعلى مستوياتها”.
كما حذرت آنذاك من أن هذه التطورات قد تؤدي إلى تحول النزاع الإقليمي إلى “مستوى عالمي”، وأكدت أن تركيا لا تريد رؤية هذا السيناريو.
كما دعت أمريكا وإيران وإسرائيل إلى “التصرف بمسؤولية” ووقف الهجمات المتبادلة فوراً.
منعطف خطير
اعتبر الباحث في الشأن التركي والعلاقات الدولية طه عودة أوغلو أن أنقرة دخلت بقوة على الخط خلال الفترة الماضية في ظل تصاعد التوتر بين طهران وواشنطن.
وفي حديثه لـ “يورونيوز”، قال أوغلو إن التدخل التركي يأتي من قناعة لدى أنقرة بأن أي ضربة أمريكية محتملة ستمثل منعطفا خطيرا جدا للمنطقة، حيث رفضت منذ البداية أي تدخل عسكري ضد طهران، مع وجود محاولة للعب دور وساطة بين الطرفين.
وبدى ذلك واضحًا من خلال الاتصالات الأخيرة التي أجراها وزير خارجية تركيا هاكان فيدان مع نظيره الإيراني عباس عراقجي، وسفير واشنطن لدى أنقرة ومبعوث ترامب الخاص إلى سوريا توم بارّاك، فضلا عن لقاءات دبلوماسية مع ممثلي البلدين يقوم بها مسؤولون أتراك.
والجمعة، أعلنت وزارة الدفاع التركية أن الوزير التركي يشار غولر استقبل بارّاك، بحضور رئيس هيئة الأركان العامة سلجوق بيرقدار أوغلو، دون ذكر تفاصيل عن فحوى اللقاء.
وقال الباحث طه عودة أوغلو إنه يمكن اعتبار أن تركيا أصبحت حلقة الوصل لإنهاء التصعيد بين الولايات المتحدة وإيران، مؤكدًا أن دور تركيا أصبح واضحًا هذه المرة بعد تجربة ناجحة سابقة في التوسط في أزمة الحبوب بين روسيا وأوكرانيا.
وأشار إلى أنه هناك أخبار متداولة بشأن لقاءات جمعت مسؤولين أتراك بشخصيات أمريكية من أجل التدخل لتهدئة التوتر بين الطرفين، والحؤول دون وقوع مواجهة أو ضربة أمريكية مستقبلية ضد إيران.
وخلص إلى أن الموقف التركي يمكن تلخيصه في عنوان كبير يتمحور حول التهدئة وخفض التصعيد بشكل كبير في ظل اشتعال ملفات كثيرة في المنطقة.
علاقة تركيا بأمريكا
وعن تهديد إيران باستهداف القاعدة الأمريكية في تركيا في حال تعرضت لهجوم من واشنطن، اعتبر المحلل أن تصريحات أنقرة وإن بدت غاضبة حيال ذلك، فإنها تشدد على أن باب الدبلوماسية لا يزال مفتوحا.
وعن علاقة تركيا بالولايات المتحدة وعضويتها في حلف الناتو، أكد أوغلو أن ذلك لا يعني أن الأخيرة ستنجر إلى أي خطوة قد تتخذها أمريكا في إيران.
وأكد أن تركيا ستكون المتضرر الأكبر في حال توجيه أمريكا ضربة لإيران، خاصة فيما يخص ملفات اللاجئين والأمن والهجرة والطاقة.
ولهذا السبب، تتحرك أنقرة دبلوماسيًا، إلى جانب جهود عربية وأخرى أوروبية، من أجل الحيلولة دون وقوع مواجهة بين واشنطن وعدوّتها التاريخية.
وخلص الباحث طه عودة أوغلو إلى أن تركيا قد تشكل أرضية لحوارٍ أمريكي-إيراني، بالنظر إلى أن سياستها الخارجية مقبولة لدى مختلف الأطراف، دون أن تكون طرفًا في هذا الصراع.
ولا ينطلق الموقف التركي من التصعيد بين الولايات المتحدة وإيران من اعتبارات أيديولوجية أو اصطفافات حادة، بقدر ما تحكمه مصلحة أنقرة في حماية أمنها القومي وتثبيت موقعها كفاعل إقليمي متوازن.
وتسعى حكومة الرئيس رجب طيب أردوغان إلى تجنّب تداعيات أي مواجهة عسكرية على حدودها، وتعمل في الوقت ذاته على تعزيز دورها كوسيط مقبول قادر على خفض التوترات، بما يضمن استقرار محيطها الإقليمي ويحفظ مصالحها الأمنية والاقتصادية والسياسية، دون الانخراط المباشر في صراع قد تكون كلفته أكبر من مكاسبه.
وفي المحصلة، يعكس الموقف التركي مقاربة براغماتية تهدف إلى تأمين موقع أنقرة في المنطقة، عبر رفض التصعيد العسكري، والدفع نحو التهدئة، مع الحفاظ على توازن دقيق بين التزاماتها الدولية وعلاقاتها القوية مع الولايات المتحدة ومصالحها كدولة جارة لإيران.

