بدأ الوفدان العسكريان اللبناني والإسرائيلي، اليوم الجمعة 29 أيار/مايو، جلسة محادثات أمنية في مقر وزارة الحرب الأميركية (البنتاغون)، في وقت تشهد فيه الجبهة اللبنانية تصعيدا إسرائيليا متواصلا.
اعلان
اعلان
وتشكل هذه الجولة محطة جديدة في مسار التفاوض الذي انطلق خلال الأشهر الماضية برعاية أميركية، بعدما شهدت واشنطن ثلاث جولات سابقة من المحادثات بين الجانبين. وتكتسب الجلسة الحالية أهمية خاصة لكونها تعقد على مستوى عسكري مباشر، في مؤشر إلى انتقال البحث من الإطار السياسي والدبلوماسي إلى مناقشة ترتيبات ميدانية وأمنية مرتبطة بالوضع على الأرض.
ويضم الوفد اللبناني ستة ضباط من اختصاصات مختلفة برئاسة مدير العمليات في الجيش العميد جورج رزق الله، فيما يشارك عن الجانب الإسرائيلي رئيس القسم الاستراتيجي في مديرية التخطيط في الجيش الإسرائيلي عميحاي ليفين، بحسب وكالة فرانس برس.
وقال مصدر عسكري لوكالة فرانس برس إن الوفد اللبناني سيشدد خلال المحادثات على ضرورة وقف إطلاق النار، كما سيعرض خطة الجيش المتعلقة بحصر السلاح وبسط سلطة الدولة على كامل الأراضي اللبنانية.
عون لروبيو: وقف إطلاق النار أولوية قبل أي خطوة أخرى
بالتزامن مع انعقاد جلسة البنتاغون، تلقى الرئيس اللبناني جوزاف عون اتصالا هاتفيا من وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو تناول الأوضاع العامة في لبنان والمنطقة والتطورات الراهنة.
وخلال الاتصال، أكد عون أن الأولوية يجب أن تكون لوقف إطلاق النار، معتبرا أن التوصل إلى التهدئة يمثل المدخل الأساسي للانتقال إلى أي خطوة أخرى، كما أنه يشكل الممر الضروري لتهيئة الظروف المناسبة لمعالجة مختلف الملفات والقضايا المطروحة.
من جهته، جدد روبيو التزام الإدارة الأميركية مواصلة العمل لتثبيت مخرجات اللقاءات السابقة التي استضافتها واشنطن، مؤكدا دعم الولايات المتحدة لاستقرار لبنان واستقلاله وسيادته على كامل أراضيه وحقه في تقرير مصيره.
ويأتي هذا التواصل السياسي في وقت تبذل فيه واشنطن جهودا للحفاظ على مسار التفاوض بين الجانبين، بالتوازي مع محاولات احتواء التصعيد العسكري المتواصل على الأرض.
التصعيد يواكب المفاوضات
انعقاد المحادثات لم ينعكس هدوءا ميدانيا، بل جاء متزامنا مع موجة جديدة من العمليات الإسرائيلية في جنوب لبنان.
فقد أصدر الجيش الإسرائيلي، الجمعة، إنذارات بإخلاء بلدات جنوبية، تقع اثنتان منها على مسافة تقارب أربعين كيلومترا شمال الحدود اللبنانية مع إسرائيل..
وأفادت الوكالة الوطنية للإعلام بتعرض مناطق عدة في الجنوب لغارات إسرائيلية متفرقة، فيما شهدت البلدات المشمولة بالإنذارات حركة نزوح للسكان.
وجاءت هذه التطورات بعد أقل من أربع وعشرين ساعة على غارة إسرائيلية استهدفت الضاحية الجنوبية لبيروت، في ثاني استهداف للمنطقة منذ دخول وقف إطلاق النار المعلن في 17 نيسان حيز التنفيذ.
توغلات ميدانية وتحركات إسرائيلية جديدة
على الأرض، استمرت التحركات العسكرية الإسرائيلية داخل المناطق الحدودية.
وذكرت الوكالة الوطنية للإعلام أن القوات الإسرائيلية وصلت خلال الليل إلى أطراف بلدة دبين، في أحدث عملية توغل داخل الأراضي اللبنانية.
كما أفادت وكالة “فرانس برس” بمشاهدة دبابات إسرائيلية منتشرة بين مرجعيون ودبين، بينما تلقى سكان مرجعيون رسائل هاتفية من الجيش الإسرائيلي تدعوهم إلى عدم مغادرة البلدة وتجنب المناطق القريبة من دبين.
وتعد مرجعيون من البلدات التي بقي جزء من سكانها فيها رغم الحرب، ما جعل الرسائل الإسرائيلية تثير مخاوف إضافية لدى الأهالي بشأن احتمال توسع العمليات العسكرية في المنطقة.
وخلال زيارة إلى شمال إسرائيل لتفقد القوات المنتشرة على الجبهة اللبنانية، أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أن الجيش الإسرائيلي عبر نهر الليطاني، الذي يقع على بعد نحو ثلاثين كيلومترا شمال الحدود اللبنانية.
مسار تفاوضي بدأ قبل أشهر
وتأتي جلسة البنتاغون الحالية ضمن سلسلة محادثات بدأت في نيسان/أبريل الماضي بين لبنان وإسرائيل، رغم أن البلدين لا يزالان رسميا في حالة حرب منذ عقود.
وكانت واشنطن استضافت ثلاث جولات تفاوضية سابقة، فيما من المقرر عقد جولة جديدة مطلع حزيران/يونيو المقبل.
كما أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب في وقت سابق تمديد اتفاق وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل، معربا عن أمله في أن يفضي المسار التفاوضي إلى اتفاق دائم بين الطرفين.
ويجري ذلك بالتزامن مع مفاوضات أميركية – إيرانية أوسع، تسعى طهران من خلالها إلى إدراج الملف اللبناني ضمن أي تفاهمات إقليمية محتملة تتعلق بإنهاء الحرب الدائرة في الشرق الأوسط.
ما الذي يريده لبنان؟
تدخل بيروت المفاوضات وهي تضع مجموعة من الأولويات التي تعتبرها أساسية لنجاح أي تفاهم.
وفي مقدمة هذه المطالب يأتي الوقف الكامل للهجمات الإسرائيلية، وانسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي اللبنانية، وتثبيت آليات رقابة فعالة تضمن الالتزام بوقف إطلاق النار، إضافة إلى دعم انتشار الجيش اللبناني في الجنوب وتمكينه من بسط سلطة الدولة.
وتؤكد السلطات اللبنانية أن استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية يقوض فرص نجاح المسار التفاوضي، ويضعف الثقة بأي تفاهمات يمكن التوصل إليها.
وكان الرئيس جوزاف عون قد شدد في تصريح بمناسبة ذكرى تحرير جنوب لبنان على أن الانسحاب الإسرائيلي الكامل يبقى مطلبا لبنانيا ثابتا، مؤكدا أن التفاوض لا يعني الاستسلام أو التنازل عن الحقوق اللبنانية.
كما أكد رئيس الحكومة نواف سلام أن استكمال تحرير الأراضي اللبنانية وعودة السكان إلى بلداتهم بأمان يشكلان شرطا أساسيا لاستعادة الاستقرار.
بدوره، دعا رئيس مجلس النواب نبيه بري إلى التمسك بوحدة البلاد والدفاع عن الحدود وإفشال مشاريع التقسيم والتجزئة.
إسرائيل تتمسك بأهدافها
في المقابل، تواصل إسرائيل والولايات المتحدة الضغط باتجاه معالجة ملف سلاح حزب الله، وهو الملف الذي تعتبره تل أبيب جزءا أساسيا من أي ترتيبات مستقبلية.
وتقول إسرائيل إنها تستعد لتوسيع عملياتها العسكرية في لبنان، بعدما لوحت خلال الأيام الماضية بتكثيف نشاطها الميداني وتوسيع نطاق عملياتها البرية في الجنوب.
وتعتقد أوساط إسرائيلية أن الفترة الحالية قد تكون حاسمة لتحقيق مكاسب ميدانية وسياسية قبل الوصول إلى أي تفاهمات إقليمية أوسع قد تفرض قيودا على العمليات العسكرية.
اعتراض من حزب الله
وفي الداخل اللبناني، يواجه مسار التفاوض انتقادات من جانب حزب الله، فقد دعت كتلة الحزب النيابية، الخميس، السلطات اللبنانية إلى الانسحاب من المفاوضات المباشرة مع إسرائيل، متهمة تل أبيب بمحاولة فرض تنسيق أمني يخدم أهدافها العسكرية من خلال هذه المحادثات.
ورغم غياب الحزب عن طاولة المفاوضات، فإن دوره يبقى حاضرا بقوة في المشهد، باعتباره الطرف الأكثر تأثيرا في المعادلة الميدانية على الحدود الجنوبية.
مخاوف إنسانية متزايدة
وتتواصل التداعيات الإنسانية للحرب مع ارتفاع أعداد الضحايا، وبحسب السلطات اللبنانية، أسفرت الهجمات الإسرائيلية منذ اندلاع الحرب في الثاني من آذار/مارس عن مقتل أكثر من 3300 شخص.
من جهتها، أعلنت منظمة الأمم المتحدة للطفولة “يونيسف” أن الأسبوع الماضي وحده شهد مقتل 15 طفلا وإصابة 62 آخرين، فيما بلغ عدد الأطفال الذين قتلوا منذ إعلان وقف إطلاق النار في 17 نيسان 55 طفلا، إضافة إلى إصابة 212 آخرين.
اختبار جديد للوساطة الأميركية
في ظل هذا المشهد، تبدو واشنطن أمام اختبار صعب يتعلق بقدرتها على الجمع بين دور الوسيط وبين استمرار دعمها لإسرائيل.
فبينما تسعى الإدارة الأميركية إلى الحفاظ على مسار التفاوض ومنع انهيار وقف إطلاق النار، تواصل العمليات العسكرية الإسرائيلية فرض نفسها على المشهد، ما يجعل نجاح المفاوضات مرتبطا بدرجة كبيرة بإمكانية تحويل الجهود الدبلوماسية إلى تهدئة فعلية على الأرض.
وبينما يركز لبنان على تثبيت وقف إطلاق النار ووقف الهجمات الإسرائيلية، تسعى إسرائيل إلى استثمار الضغط العسكري لتحسين شروطها التفاوضية، الأمر الذي يجعل نتائج المحادثات الجارية رهنا بالتطورات الميدانية بقدر ارتباطها بما يدور داخل قاعات التفاوض في واشنطن.

