بقلم: يورونيوز
نشرت في •آخر تحديث
بعد عودة آخر الرهائن الإسرائيليين والوصول إلى وقف إطلاق النار، ساد في إسرائيل انطباع واسع بأن المرحلة التالية في مسار التحولات الإقليمية ستكون التطبيع مع السعودية.
اعلان
اعلان
واعتبر كثيرون أن المناخ السياسي الذي أعقب أحداث السابع من أكتوبر قد يفتح الباب أمام إعادة رسم خريطة العلاقات في الشرق الأوسط، وفي مقدمتها العلاقة بين الرياض وتل أبيب.
غير أن التطورات اللاحقة، وفق تحليل نشرته صحيفة “جيروزاليم بوست”، تشير إلى أن هذا المسار لم يعد بالوضوح الذي بدا عليه سابقاً، وأن مجموعة من المتغيرات السياسية والاقتصادية والإقليمية أعادت طرح تساؤلات جدية حول توقيت الصفقة المحتملة، بل وحول إمكانية تحققها أصلًا في الظروف الراهنة، فالتطبيع بحسب الصحيفة لم يعد مؤجلًا فقط، بل أصبح موضع شك بنيوي وسياسي.
صفقة كبرى فقدت منطقها التبادلي
تشير الصحيفة إلى أن ما كان يُعرف بـ”الصفقة الكبرى” استند إلى معادلة واضحة: تطبيع سعودي مع إسرائيل، مقابل حزمة أمريكية ضخمة تشمل معاهدة دفاع مشترك، وصفقات تسليح متقدمة، وتعاوناً في مجال الطاقة النووية المدنية، وكانت إسرائيل، وفق هذا التصور، تمثل المفتاح الذي يفتح للرياض أبواب واشنطن الاستراتيجية.
لكن المعادلة تغيّرت جذرياً، بحسب التقرير ففي أواخر عام 2025، وخلال زيارة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان إلى واشنطن، أنهت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب اتفاقاً ثنائياً واسع النطاق مع السعودية، دون ربطه بتطبيع العلاقات مع إسرائيل.
ووفق ما أوردته الصحيفة، أكد بيان للبيت الأبيض تصنيف السعودية “حليفاً رئيسياً من خارج الناتو”، والمضي قدماً في بيع مقاتلات الشبح من طراز F-35، إضافة إلى توقيع إعلان مشترك بشأن استكمال المفاوضات حول التعاون في مجال الطاقة النووية المدنية وهو الملف الذي كان يُعد سابقاً ورقة ضغط إسرائيلية.
وتنقل الصحيفة عن مسؤولين إسرائيليين كبار قولهم إن واشنطن أسقطت مطلب الاعتراف السعودي بإسرائيل كشرط مسبق للاتفاق النووي، ما يعني وفق التحليل أن الرياض حصلت على الجزء الأكبر من المكاسب الاستراتيجية دون تقديم تنازل سياسي لإسرائيل.
ضغوط اقتصادية داخلية تثقل كفة القرار
ترى الصحيفة أن العامل الاقتصادي يلعب دوراً محورياً في حسابات ولي العهد السعودي، فـ “رؤية 2030″، المشروع الإصلاحي الطموح الذي يهدف إلى تحويل المملكة إلى قوة اقتصادية عالمية ما بعد النفط، يواجه تحديات مالية واضحة.
فوزارة المالية السعودية توقعت عجزاً في ميزانية 2025 يبلغ نحو 101 مليار ريال (قرابة 27 مليار دولار). كما تشير تقديرات معهد دول الخليج العربية في واشنطن إلى أن استمرار أسعار النفط عند مستوى 65 دولاراً للبرميل قد يرفع العجز إلى 56 مليار دولار، أي نحو 5.2% من الناتج المحلي الإجمالي.
وتلفت الصحيفة إلى أن مشاريع عملاقة، مثل “ذا لاين” ضمن مشروع نيوم، جرى تقليصها بشكل كبير من خطة استيعاب 1.5 مليون نسمة إلى نحو 300 ألف فقط، ما ترافق مع تقليص إنفاق وإلغاء عقود.
كما اضطر صندوق الاستثمارات العامة، الذي يدير أصولاً تقارب 925 مليار دولار، إلى خفض إنفاقه بنسبة 20% وشطب خسائر مشاريع بقيمة 8 مليارات دولار في نهاية 2024. ولم تتجاوز الاستثمارات الأجنبية المباشرة في المملكة 32 مليار دولار في 2024، رغم هدف رسمي بلغ 100 مليار دولار، وهو ما أدى إلى إقالة وزير الاستثمار.
في هذا السياق، ترى الصحيفة أن القيادة السعودية، التي ربطت شرعيتها الداخلية بوعود التحول الاقتصادي، لا تستطيع تحمل كلفة خطوة خارجية غير شعبية مثل التطبيع في الظروف الحالية.
رأي عام مناهض.. وأرقام حاسمة
تخصص الصحيفة مساحة واسعة للرأي العام السعودي والعربي، فقبل 7 أكتوبر 2023، أظهر استطلاع لمعهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى أجراه في أغسطس/آب 2023، أن 43% من السعوديين يؤيدون علاقات اقتصادية مع إسرائيل حتى دون علاقات رسمية.
لكن الحرب في غزة قلبت المشهد، بحسب الصحيفة، ففي استطلاعات لاحقة خلال نوفمبر وديسمبر 2023، تراجع الدعم إلى 17% فقط، فيما أيد 96% من المشاركين قطع جميع أشكال التواصل مع إسرائيل.
ويشير مقياس الرأي العربي إلى أن هذا الاتجاه شمل دولاً أخرى غير السعودية،من ضمنها المغرب، حيث انخفض تأييد التطبيع من 31% عام 2022 إلى 13% بعد الحرب، كما أظهر “مؤشر الرأي العربي” لعام 2025 أن 87% من المواطنين في العالم العربي يعارضون الاعتراف بإسرائيل.
وتنقل الصحيفة عن تقارير متعددة أن ولي العهد السعودي أبلغ مسؤولين أميركيين بأن أي تطبيع يتطلب مساراً واضحاً وغير قابل للتراجع نحو إقامة دولة فلسطينية، معتبرة أن هذا الشرط يشكل، سياسياً، حاجز حماية داخلياً أمام الضغوط.
من شراكة ضد إيران إلى منافسة على الزعامة
وفق تحليل “جيروزاليم بوست”، فإن أحد التحولات الجوهرية في المشهد الإقليمي يتمثل في تغيّر ميزان القوى، فإسرائيل، التي كانت تُعدّ شريكاً طبيعياً للسعودية في مواجهة النفوذ الإيراني، باتت اليوم مع تراجع دور طهران تنظر إليها كمنافس محتمل على قيادة المنطقة، لا كحليف استراتيجي.
وتشير الصحيفة إلى توقيع السعودية وباكستان اتفاق دفاع مشترك في سبتمبر الماضي، مع مباحثات متقدمة لانضمام تركيا إلى الإطار نفسه، في خطوة وُصفت بأنها تعكس رغبة سعودية في بناء استقلال استراتيجي.
كما تتفاوض الرياض على شراء ما يصل إلى 100 مقاتلة شبح من طراز KAAN التركية، في صفقة يعتبرها مسؤولون أميركيون مثيرة للقلق، لأنها تقلل من اعتماد السعودية على كل من واشنطن وتل أبيب.
وتصف الصحيفة هذه التطورات بأنها مؤشرات على تشكل ما يشبه “ناتو إسلامي” ناشئ، ليس لمواجهة أعداء إسرائيل، بل لموازنة تفوقها الإقليمي.
عقدة اتفاقيات أبراهام
ترى الصحيفة أن هناك بُعداً آخر لا يحظى باهتمام كافٍ، وهو البعد الرمزي والسياسي لاتفاقيات أبراهام، فالإمارات كانت الدولة الخليجية التي بادرت إلى التطبيع عام 2020، وبنت شبكة علاقات تجارية وتكنولوجية واسعة مع إسرائيل.
وتنقل الصحيفة عن الكاتب اللبناني نديم قطيش قوله إن الإمارات تمتلك أفضلية تكنولوجية واقتصادية على السعودية بفضل تعاونها المبكر مع إسرائيل.
وبحسب هذا الطرح، فإن انضمام الرياض إلى إطار يحمل بصمة أبوظبي قد لا يكون خياراً مريحاً لقيادة سعودية ترى نفسها في موقع الزعامة الإقليمية، ما يعني أن أي تطبيع مستقبلي سيتطلب صيغة سعودية خاصة، ربما تستند إلى مبادرة السلام العربية لعام 2002، التي تشترط قيام دولة فلسطينية مستقلة عاصمتها القدس الشرقية.
وتخلص الصحيفة إلى أن الاعتقاد بقرب توقيع صفقة سعودية–إسرائيلية كان مفهوماً في سياق ما بعد الحرب، لكنه في ضوء معطيات 2026 يبدو أقرب إلى التمنّي منه إلى الواقع السياسي.
وترى أن الظروف الإقليمية، والاعتبارات الداخلية السعودية، والتحولات في ميزان القوى، كلها عوامل تجعل مسار التطبيع، في المرحلة الراهنة، غير مرئي من زاوية الحسابات الواقعية.

