ويقبع المحتجون رهن الحبس بموجب المادتين 50 و51 من القانون الجنائي السوداني لسنة 1991، المتعلقتين بتهمتي (تقويض النظام الدستوري) و(إثارة الحرب ضد الدولة)، وهما من أخطر مواد القانون، إذ يمكن أن تصل العقوبة بموجبهما إلى الإعدام.
ولكن مصادر حقوقية قالت إن معظم المحتجزين أوقفوا تعسفيا وعلى خلفيات سياسية، وإن أغلبهم شباب شاركوا في ثورة ديسمبر، وأعضاء ومناصرون للقوى المدنية الديمقراطية، إلى جانب ناشطين عرفوا بمناهضتهم للحركة الإسلامية ونظام الرئيس السابق عمر البشير.
وبحسب المصادر، توجه إلى هؤلاء تهمة التعاون مع قوات الدعم السريع، التي تحولت منذ اندلاع الحرب إلى (تهمة جاهزة) تلصق بالمعارضين والمختلفين سياسيا مع سلطة الجيش وحلفائها من الإسلاميين، من دون تقديم أدلة كافية أو تمكين المتهمين من حقهم في الدفاع أمام القضاء.
ويكشف استمرار احتجاز عشرات الأشخاص لهذه المدد الطويلة، من دون إدانتهم أو حتى إحالة بعضهم إلى المحاكم، حجم الانهيار الذي أصاب منظومة العدالة في مناطق سيطرة الجيش، حيث تتداخل الأجهزة الأمنية والسياسية مع المؤسسات العدلية، ويتحول الحبس الاحتياطي من إجراء استثنائي ومؤقت إلى عقوبة مفتوحة تُفرض خارج نطاق القانون.
83 محتجزا أمام قاض واحد
وفي مذكرة قانونية وإنسانية مؤرخة في 25 أغسطس، واطلعت عليها “سكاي نيوز عربية”، وموجهة إلى قائد الجيش عبد الفتاح البرهان، مع نسختين إلى رئيس القضاء ووزير العدل بسلطة بورتسودان، قال المحتجزون إن بعضهم أمضى عامين كاملين خلف القضبان من دون أن يحال إلى المحكمة.
وأوضحت المذكرة أن جلسات المحاكمة، بالنسبة إلى الذين بدأت إجراءاتهم، تتعرض لتأجيلات مستمرة بسبب الغياب المتكرر لممثلي الحق العام والمبلغين وشهود الاتهام، من دون اتخاذ إجراءات قانونية حاسمة بحق المتغيبين.
وأكد المحتجزون أن هذا الوضع حول إجراءات التقاضي إلى “سلسلة غير منتهية من التأجيلات غير القانونية”، وأبقاهم رهائن داخل السجن من دون أساس قانوني أو موضوعي يبرر استمرار احتجازهم.
وكشفت المذكرة عن وجود قاضٍ واحد فقط للنظر في قضايا 83 محتجزا منتظرا بسجن بورتسودان، معتبرة أن هذا التكدس يجعل تحقيق العدالة أو انتظام المحاكمات أمراً شبه مستحيل.
وأشارت إلى أن القضايا تتوقف أحيانا بسبب مرض القاضي، أو خروجه في إجازة سنوية، من دون تعيين قاض بديل أو تشكيل دائرة قضائية مقيمة تتولى الفصل في القضايا العاجلة المرتبطة بحريات المحتجزين.
أوضاع صحية ونفسية خطيرة
وحذرت المذكرة من أن طول مدة الاحتجاز والإهمال الطبي والتعطيل المستمر للمحاكمات أدت إلى تدهور بالغ في الأوضاع النفسية والصحية للمحتجزين، مشيرة إلى أن بعضهم بلغ مرحلة اليأس وفقدان الرغبة في الحياة.
كما تحدثت عن أوضاع حرجة لعدد من المرضى، بينهم مصابون بالسكري يواجه بعضهم خطر فقدان البصر، نتيجة ضعف الرعاية الطبية والإهمال داخل السجن.
واعتبر المحتجزون أن ما يجري يمثل انتهاكا صريحا لحقهم الدستوري والقانوني في المحاكمة العادلة والناجزة، مؤكدين أن الحبس الاحتياطي، الذي يفترض أن يكون إجراءً مؤقتا واستثنائيا، تحول إلى عقوبة مسبقة وممتدة من دون حكم قضائي.
المطالبة بالعفو أو المحاكمة الفورية
وطالب المضربون بمقابلة قائد الجيش لعرض تفاصيل أوضاعهم الإنسانية والقانونية، إما بتقديمهم لمحاكمة عادلة أو إصدار عفو عام يشمل جميع المحتجزين في القضايا ذات الصلة الذين أمضوا فترات طويلة في الحبس من دون إدانة قضائية أو إحالة إلى المحاكم.
واستندت المذكرة إلى قرارات عفو سابقة شملت شخصيات وأطرافا متعددة، من بينهم أبو عاقلة كيكل والنور قبة والسافانا وإبراهيم بقال، معتبرة أن مبدأي العدالة والمساواة يقتضيان عدم انتقاء المستفيدين من قرارات العفو على أساس الولاء السياسي أو العسكري.
وقالت المذكرة إن “العدالة لا تتجزأ”، وإنه ليس من المنطقي إصدار عفو عن أشخاص ينظر إليهم بوصفهم فاعلين رئيسيين، بينما يستمر احتجاز آخرين بالشبهات، من دون محاكمات أو أحكام قضائية.
وفي حال تعذر إصدار عفو شامل، طالب المحتجزون رئيس القضاء بسلطة بورتسودان بالتدخل الفوري لتشكيل دوائر قضائية وتعيين قضاة متفرغين في بورتسودان، ووضع سقوف زمنية صارمة لإنهاء المحاكمات، وحسم مسألة تخلف شهود الاتهام والمبلّغين، إلى جانب توفير تدخل طبي عاجل للحالات الحرجة.
وهكذا، لا يكشف الإضراب عن معاناة عشرات المحتجزين فحسب، بل يفضح منظومة حكم تستخدم السجن بديلا عن المحاكمة، والاتهامات الجاهزة سلاحاً ضد الخصوم، والقانون غطاءً للانتقام السياسي. ففي ظل سلطة الجيش المتحالفة مع الحركة الإسلامية، بات الاختلاف السياسي كافياً للزج بالأشخاص خلف القضبان، فيما تغيب الدولة وينهار القضاء وتُهدر العدالة؛ ليبقى معتقلو بورتسودان رهائن بلا أحكام، يدفعون من حرياتهم وصحتهم ثمن معارضتهم للحرب ورفضهم عودة نظام البشير.

