ويعكس تزامن الحدثين الأهمية المتزايدة لملف الهجرة، الذي يشكل أحد أبرز محاور أجندة ترامب السياسية والانتخابية، ويطرح تساؤلات حول ما إذا كان الحكم سيضعف أحد أهم تعهداته، أم سيمنحه فرصة لإعادة تعبئة قاعدته الانتخابية وتحويل القضية إلى ورقة ضغط في السباق الانتخابي المقبل.
ويرى محللون أميركيون، في حديثهم لموقع “سكاي نيوز عربية”، أن الداخل الأميركي ينظر إلى الحكم باعتباره ضربة قانونية وسياسية لأحد أبرز السياسات التي تبناها ترامب في ملف الهجرة، ليحمل أبعادًا قد تؤثر في حسابات الحزبين خلال الأشهر المقبلة، خاصة مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي المزمع إجراؤها في نوفمبر المقبل.
ماذا حدث؟
رفضت المحكمة العليا الأميركية، بأغلبية 6 قضاة مقابل 3، محاولة ترامب إنهاء حق المواطنة بالولادة، مؤكدة أن الأطفال المولودين على الأراضي الأميركية يتمتعون بحق الجنسية بموجب التعديل الرابع عشر للدستور.
كان ترامب قد أصدر أمرا تنفيذيا يقضي بحرمان أبناء المهاجرين غير النظاميين وبعض المقيمين الأجانب بصورة مؤقتة من الحصول تلقائيا على الجنسية الأميركية، إلا أن المحكمة اعتبرت أن الأمر التنفيذي يتعارض مع الدستور.
بيد أنه بعد بضع ساعات من الحكم، أعلن ترامب تنظيم مؤتمر استثنائي للحزب الجمهوري في مدينة دالاس خلال سبتمبر المقبل، قبل نحو شهرين من انتخابات التجديد النصفي للكونغرس، في خطوة تهدف إلى حشد أنصار الحزب وتعزيز فرصه في الاحتفاظ بأغلبيته داخل الكونغرس.
ويعد هذا المؤتمر خروجا عن الأعراف السياسية المتبعة في الولايات المتحدة، إذ تقتصر المؤتمرات الوطنية للحزبين الجمهوري والديمقراطي عادة على السنوات التي تسبق الانتخابات الرئاسية، لكنه يأتي في ظل مخاوف متزايدة داخل الحزب الجمهوري من احتمال فقدان السيطرة على الكونغرس في انتخابات منتصف الولاية.
الحكم.. والانتخابات
بدوره، قال أستاذ العلوم السياسية بجامعة موراي ستيت الأميركية وعضو الحزب الجمهوري، إحسان الخطيب، في تصريحات لموقع “سكاي نيوز عربية”، إن “ملف الهجرة كان العامل الأبرز الذي أوصل دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، وأغلبية الناخبين الذين صوتوا له كانت تعتبر أن الأولوية القصوى تتمثل في ضبط الحدود وإنهاء الهجرة غير الشرعية”.
وفيما يتعلق بحكم المحكمة العليا بشأن حق المواطنة بالولادة، رأى “الخطيب” أن “هذا الحكم لن يكون له تأثير كبير على شعبية ترامب أو موقف الناخب الجمهوري”، معتبرًا أن “قضية المواطنة بالولادة ليست من الملفات التي تحرك الرأي العام أو تشكل أولوية انتخابية بالنسبة لغالبية الجمهوريين”.
ومع ذلك أوضح “الخطيب”، أن الملفات الأكثر تأثيرا على المزاج الانتخابي الأميركي حاليًا هي “الاقتصاد ومعدلات التضخم وأسعار الطاقة، إضافة إلى السياسة الخارجية، خاصة كيفية إنهاء الأزمات الدولية دون الانخراط في حروب طويلة، وهذه القضايا ستكون أكثر حضورا في تقييم الناخبين لأداء الإدارة” وفق تقديره.
وبشأن انتخابات التجديد النصفي، قال أستاذ العلوم السياسية بجامعة موراي ستيت، إن “استراتيجية الحزب الديمقراطي تتركز على خفض حماس الناخب الجمهوري للمشاركة في التصويت، إذ أن المجتمع الأميركي يشهد استقطابا حزبيا واضحا، وأن المنافسة لا تدور غالبا حول تغيير الولاءات الحزبية، وإنما حول قدرة كل حزب على تحفيز قاعدته الانتخابية للمشاركة بكثافة”.
وبيّن أن “الحزب الديمقراطي يبالغ في تقدير فرصه خلال انتخابات التجديد النصفي”، مشيرًا إلى أن إدارة ترامب حققت، من وجهة نظره، إنجازات تحظى بدعم القاعدة الجمهورية، سواء في ملف الهجرة أو في عدد من القضايا الاجتماعية، وهو ما يجعل الحديث عن اكتساح ديمقراطي في الانتخابات المقبلة أمرا “غير واقعي”.
“هزيمة قانونية”
أما مدير التحالف الأميركي الشرق أوسطي للديمقراطية، توم حرب، فقال في تصريحات لموقع “سكاي نيوز عربية”، إن قرار المحكمة العليا برفض مسعى الرئيس دونالد ترامب لإنهاء حق المواطنة بالولادة يمثل “هزيمة قانونية واضحة” لترامب، خاصة أن الحكم صدر بأغلبية 6 قضاة مقابل 3، وهو ما يجعل من الصعب تصوير القرار على أنه مجرد حكم ناتج عن “تحيز أيديولوجي”.
وأضاف أن “ترامب رغم خسارته القضائية لن يتخلى عن هذا الملف، بل سيعمل على تحويله من معركة مرتبطة بأمر تنفيذي إلى مطلب تشريعي مطروح أمام الكونغرس، مع استخدامه مجددًا لتعبئة قاعدته المحافظة، كما فعل فور صدور الحكم عندما دعا إلى سن تشريع جديد ينهي حق المواطنة بالولادة”.
وأشار “حرب” إلى أن للحكم تداعيات مباشرة على انتخابات التجديد النصفي، موضحا أن الجمهوريين قد يسعون إلى تقديم القضاء باعتباره “عقبة أمام إرادة الشعب”، في حين يمتلك الديمقراطيون فرصة أكبر لتوظيف القرار باعتباره انتصارًا لحكم القانون ودليلًا على تجاوز ترامب المتكرر لصلاحياته الدستورية، على غرار الانتكاسات القضائية التي تعرض لها في ملفات أخرى، من بينها قضية الرسوم الجمركية.
ولفت إلى أن “ترامب خسر في المحكمة، لكنه يراهن على الفوز في صندوق الاقتراع، لأن القاعدة الانتخابية غالبًا ما تصوّت لرموز سياسية ومواقف أيديولوجية أكثر مما تصوت لأحكام قضائية”.
ماذا بعد الحكم؟
واتفق مع ذلك، المحلل السياسي الأميركي وعضو الحزب الجمهوري، ماك شرقاوي، الذي قال في تصريحات لموقع “سكاي نيوز عربية”، إن حكم المحكمة العليا يمثل “هزيمة قانونية كبيرة” للرئيس ترامب، فضلًا عن كونه “ضربة مباشرة لمشروعه في ملف الهجرة”.
ورأى شرقاوي أن “فرص ترامب في تغيير هذا الواقع محدودة للغاية من الناحية القانونية، إذ أن تعديل قاعدة دستورية راسخة لا يمكن أن يتم عبر قانون عادي يصدره الكونغرس، وإنما يتطلب تعديلًا للدستور وفق إجراءات معقدة تستوجب موافقة أغلبية الثلثين في الكونغرس، ثم تصديق ثلاثة أرباع الولايات الأميركية، وهو ما لا يملك ترامب أو الجمهوريون حاليًا مقومات تحقيقه”.
وأشار إلى أن “الحكم يمنح الحزب الديمقراطي فرصة لبناء خطابه الانتخابي على ثلاثة محاور رئيسية؛ تتمثل في الدفاع عن الدستور، وحماية الأطفال والعائلات، واتهام ترامب بتجاوز صلاحياته التنفيذية ومخالفة المبادئ الدستورية”.
في المقابل، توقع شرقاوي أن “يسعى الجمهوريون إلى إعادة تأطير القضية باعتبارها معركة بين القضاء وإرادة الناخبين، مع التركيز على ربطها بملف الهجرة غير الشرعية وأمن الحدود، باعتباره أحد أكثر الملفات أهمية لدى القاعدة الجمهورية”.
وأضاف أن جوهر الخلاف بين الحزبين يتمثل في طريقة عرض القضية أمام الرأي العام؛ فبينما يطرحها الديمقراطيون باعتبارها قضية حقوق دستورية وسيادة القانون، يواصل ترامب تقديمها باعتبارها قضية تتعلق بالهجرة وحماية الحدود والسيادة الأميركية.
وختم شرقاوي بالقول إن “الحكم قد يوقف ترامب قانونيا، لكنه لا ينهي المعركة سياسيًا، بل قد يحولها إلى ورقة انتخابية يستفيد منها الحزبان خلال انتخابات التجديد النصفي عام 2026، إذ سيحاول كل طرف توظيفها لحشد قاعدته الانتخابية، فيما يبقى المبدأ الدستوري الذي أكدته المحكمة واضحًا بأن من يولد على الأراضي الأميركية هو مواطن أميركي”.

