نشرت في
قرر البنك المركزي العراقي خفض قيمة العملة المحلية أمام الدولار الأمريكي بنحو 15%، في أول تعديل رسمي لسعر الصرف منذ أكثر من ثلاثة أعوام.
اعلان
اعلان
وجاءت هذه الخطوة كتحول مفاجئ في السياسة النقدية للبلاد، مدفوعة بضغوط مالية خانقة فرضتها تداعيات الحرب في المنطقة وتعطل الصادرات النفطية عبر مضيق هرمز.
وأعلن المركزي العراقي في بيان رسمي، تعديل سعر صرف الدولار المبيع للجمهور ليكون 1520 ديناراً للدولار الواحد، صعوداً من السعر السابق البالغ 1320 ديناراً والمعتمد منذ فبراير/شباط 2023، على أن يدخل القرار حيز التنفيذ رسمياً اليوم.
وعزا البنك خطوته إلى مساعي تحقيق “الاستقرار الاقتصادي المستدام وضمان التنمية الشاملة”، بالتزامن مع طمأنة الأسواق بكفاية احتياطياته الأجنبية لتغطية التجارة الخارجية واحتياجات المسافرين والبطاقات المصرفية.
ويُعدّ هذا الإجراء الخطوة المفصلية الأولى منذ تولي نزار ناصر حسين رئاسة البنك المركزي العراقي في 21 يونيو/حزيران الماضي خلفاً لعلي محسن العلاق، حيث جاء تكليفه بالمنصب في إطار توافقات سياسية حظيت بدعم قوى الإطار التنسيقي وائتلاف دولة القانون.
وتكتسب هذه الخطوة أهمية استثنائية بالنظر إلى توقيتها، إذ تواجه بغداد رقابة دولية مشددة على ملفات مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، مما فرَض قيوداً صارمة على حركة النقد الأجنبي داخل البلاد.
السوق السوداء تشتعل وسخط في الشارع
على الرغم من التطمينات الرسمية، تحركت السوق الموازية (السوداء) سريعًا بعد القرار، إذ تجاوز الدولار 1700 دينار خلال الساعات الأولى، قبل أن يصل في بغداد إلى نحو 185 ألف دينار لكل 100 دولار، أي قرابة 1850 دينارًا للدولار، وسط تقلبات حادة في الأسعار.
وانعكست الاضطرابات على الحركة التجارية، إذ شهد شارع المتنبي والشورجة وأسواق الجملة في بغداد ركودًا ملحوظًا، بالتزامن مع ارتفاع أسعار بعض المواد الغذائية. كما رصدت وكالة فرانس برس إغلاق متاجر كبيرة ومكاتب صرافة أبوابها، فيما أعرب مواطنون وتجار عن استيائهم من تراجع قيمة الدينار وارتفاع الأسعار.
وامتدت الاعتراضات إلى مجلس النواب، حيث أثار القرار استنكارًا بين عدد من النواب، بالتزامن مع إلغاء الجلسة المقررة اليوم الأربعاء. وطالب نواب باستضافة محافظ البنك المركزي نزار ناصر حسين، الخميس، لشرح أسباب تغيير سعر الصرف وتداعياته الاقتصادية والمعيشية، ولا سيما على الفئات الفقيرة ومحدودة الدخل.
حسابات الموازنة والنزيف المالي
تعيش المالية العامة للعراق تحت وطأة صدمة حادة في الإيرادات، حيث تعتمد البلاد على مبيعات النفط لتأمين نحو 90% من موازنتها العامة. ومع انخفاض الصادرات واضطراب خطوط الإمداد جراء الحرب، تآكلت الاحتياطيات الأجنبية لدى البنك المركزي بنحو 20 مليار دولار، مما اضطر الحكومة للجوء إلى الاقتراض الداخلي لتغطية النفقات التشغيلية.
وتكشف أرقام الموازنة العامة عمق الفجوة المالية، إذ بُنيت الحسابات الحكومية على سعر افتراضي متحفظ للنفط يبلغ 58 دولاراً للبرميل، وحجم صادرات يقارب 4 ملايين برميل يومياً (شاملة حصة إقليم كردستان).
وفي المقابل، يصل الإنفاق المتوقع إلى مستوى قياسي يبلغ 217 تريليون دينار، مما يضع الدولة أمام عجز يتجاوز 40 تريليون دينار، في وقت تلتزم فيه بغداد شهرياً بتأمين كلفة ضخمة لرواتب موظفي القطاع العام والمتقاعدين، الذين يشكلون نحو 20% من إجمالي السكان البالغ عددهم أكثر من 46 مليون نسمة.
سلاح ذو حدين
وفي القراءات التحليلية للقرار، وصف الخبير في الاقتصاد السياسي العراقي، علي المولوي، الخطوة بأنها “سلاح ذو حدين”؛ وأوضح في تصريحات لـ فرانس برس أن التعديل يمنح الحكومة مساحة أوسع وسيولة بالدينار لتمويل النفقات الراهنة، لكنه يلقي بكلفة باهظة على كاهل المواطنين عبر تراجع قدرتهم الشرائية والارتفاع الحتمي لأسعار السلع الأساسية المستوردة.
من جانبه، أشار المحلل الاقتصادي محمد الصفار في حديثه لوكالة رويترز إلى أن خفض قيمة العملة جاء كاستجابة قسرية لتعويض النقص الناتجة عن تراجع العائدات النفطية، مبيناً أنه بسعر الصرف الجديد، ستحصد الخزينة العامة كميات أكبر من الدنانير مقابل كل دولار نفطي، إلا أن هذا الإجراء سيزيد من كلفة الواردات ويضغط على مستويات معيشة الأسر.
وعلى المدى الطويل، تضع السلطات العراقية مستهدفات طموحة لتقليص الارتهان التاريخي للنفط، وتسعى بغداد لرفع حصة الإيرادات غير النفطية في الموازنة من 10% حالياً إلى 45% بحلول عام 2037، وهي خطط يرى مراقبون أن تسريع وتيرتها بات أمراً مصيرياً لإنقاذ الاقتصاد من التقلبات الجيوسياسية المستمرة في المنطقة.

