نشرت في
تشهد شعبية الرئيس الأميركي دونالد ترامب مسارا تراجعيا واضحا منذ عودته إلى البيت الأبيض قبل نحو 15 شهرا، في اتجاه يعكس تحولا متدرجا في المزاج العام داخل الولايات المتحدة. ومع تراكم الضغوط السياسية والاقتصادية، لم يعد هذا الانخفاض مجرد تذبذب عابر، بل بات اتجاها مستمرا يثير قلقا متزايدا داخل الحزب الجمهوري مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي. فكيف وصلت الأمور إلى هذه المرحلة؟ وما العوامل التي دفعت هذا التراجع؟
اعلان
اعلان
تراجع غير مسبوق في الأرقام
أظهر استطلاع أجرته شبكة “سي إن إن” أن نسبة تأييد ترامب بلغت 35%، وهو أدنى مستوى له، ما يضعه بين أضعف الرؤساء شعبية في هذه المرحلة من ولايتهم، ويقربه من الأرقام التي سجلها الرئيس الأميركي الأسبق جورج دبليو بوش.
بداية قوية لم تدم طويلا
هذا التراجع لم يكن مفاجئا بالكامل، بل جاء نتيجة مسار تدريجي استمر لأشهر، رغم أن بداية الولاية شهدت زخما ملحوظا، حيث تجاوزت نسبة التأييد 50% في أواخر كانون الثاني/يناير 2025، قبل أن تبدأ بالانخفاض السريع خلال فترة قصيرة.
قرارات أولى أثارت الجدل
في المرحلة الأولى، برزت مجموعة قرارات أثارت جدلا واسعا وأسهمت في إضعاف الدعم الشعبي، من بينها العفو عن عدد كبير من المتهمين في أحداث 6 كانون الثاني/يناير في مبنى الكابيتول ، بمن فيهم أشخاص أدينوا بالاعتداء على الشرطة، إلى جانب تخفيضات واسعة في الوظائف والخدمات الحكومية ضمن سياسات وزارة كفاءة الحكومة بقيادة إيلون ماسك.
نقطة التحول: التعريفات الجمركية
التحول الأبرز جاء في نيسان/أبريل، عندما فرض ترامب تعريفات جمركية واسعة تحت عنوان “يوم التحرير”، ما فتح مواجهة تجارية مع معظم دول العالم. ورغم أن هذه الخطوة لاقت دعما في مراحل سابقة، إلا أن المزاج العام انقلب عليها سريعا، لتنخفض نسبة التأييد من 45% إلى 41% خلال شهر واحد.
لاحقا، ساد نوع من الاستقرار النسبي، رغم تمرير سياسات غير شعبية في الكونغرس وسوء التعامل مع ملفات حساسة، قبل أن تعود المؤشرات إلى التراجع مع تحقيق الديمقراطيين مكاسب بارزة في انتخابات 2025 المحلية.
تصعيد الهجرة وحادثة مينيابوليس
ومع تصاعد سياسات الهجرة، بلغت الأزمة ذروتها بعد حادثة مينيابوليس التي قُتل فيها رينيه غود وأليكس بريتي على يد عناصر فيدراليين، حيث رفضت غالبية الأميركيين الرواية الرسمية التي حملت الضحيتين المسؤولية، ما عمّق الفجوة بين الإدارة والرأي العام.
الحرب على إيران وتأثيرها
إلى جانب ذلك، شكّلت الحرب على إيران عاملا إضافيا في تآكل الشعبية، إذ أظهرت استطلاعات أن غالبية الأميركيين اعتبروها خطوة خاطئة، ما انعكس سلبا على صورة الإدارة وعلى مؤشرات الاقتصاد.
بعيدا عن هذه المحطات، تبرز أسباب أعمق تتعلق بأسلوب الحكم، إذ اعتمد ترامب بشكل كبير على القرارات الفردية، متصرفا كما لو أنه يمتلك تفويضا واسعا، وهو ما أدى إلى تبني سياسات وُصفت في كثير من الأحيان بالمبالغ فيها.
وتظهر بيانات استطلاعات “سي إن إن” أن 64% من الأميركيين لا يوافقون على أداء ترامب، وفق متوسط متحرك لعدد من الاستطلاعات الأخيرة، وهو مستوى أعلى من معظم الأرقام التي سُجلت خلال ولايته الأولى، ما يعكس اتساع فجوة الرفض مقارنة بالماضي.
أزمة المعيشة تضغط على الشعبية
كما لعبت الأوضاع الاقتصادية دورا محوريا، حيث تزامنت السياسات التجارية والحرب مع ارتفاع ملحوظ في الأسعار، خصوصا أسعار الوقود التي تجاوزت 4 دولارات للغالون، ما أدى إلى تراجع تقييم أدائه الاقتصادي إلى مستويات متدنية.
إلى جانب ذلك، يتهم كثير من الأميركيين الإدارة بإهمال قضية خفض الأسعار، إذ أظهر استطلاع لـ”سي إن إن” أن 65% يرون أنه لم يذهب بعيدا بما يكفي في هذا المجال، فيما أفاد استطلاع لشبكة “سي بي إس” بأن ثلاثة أرباع الأميركيين يعتبرون أنه لم يركز على هذه القضية بالشكل المطلوب.
تراجع الثقة .. واختبار حاسم
كما تراجعت الثقة بقدرة ترامب على إدارة الدولة، بعد أن كانت صورته كرجل أعمال ناجح تعزز هذا الانطباع سابقا. وأظهرت استطلاعات حديثة انخفاض الثقة بقراراته في السياسة الخارجية وإدارة السلطة التنفيذية واستخدام القوة العسكرية.
في ظل هذه المعطيات، تبدو انتخابات التجديد النصفي المقبلة محطة مفصلية، إذ تُظهر التجارب أن تراجع شعبية الرئيس غالبا ما ينعكس مباشرة على أداء حزبه في صناديق الاقتراع.
سوابق تاريخية
تؤكد التجارب السابقة هذا الاتجاه، إذ تكبدت أحزاب رؤساء سابقين مثل هاري ترومان، وليندون جونسون، وبيل كلينتون، وباراك أوباما، خسائر كبيرة عندما كانت نسب تأييدهم منخفضة. في المقابل، تمكن رؤساء يتمتعون بشعبية مرتفعة من تقليص خسائرهم أو تحقيق مكاسب.
ويُعد عام 2022 استثناء نسبيا، إذ جاءت النتائج متقاربة رغم ضعف شعبية الرئيس الأميركي جو بايدن.

