بقلم: يورونيوز
نشرت في
كشفت صحيفة الغارديان في تحليل لها أن المواجهة الدائرة بين شركة الذكاء الاصطناعي “أنثروبيك” ووزارة الحرب الأمريكية (البنتاغون) تعكس تحولا عميقا في موقف شركات التكنولوجيا الكبرى من العلاقة بين الذكاء الاصطناعي والحرب.
اعلان
اعلان
وأوضحت الصحيفة أن هذا الخلاف أعاد إلى الواجهة سؤالا طالما واجهته صناعة التكنولوجيا: كيف يمكن استخدام منتجاتها في النزاعات المسلحة، وما هي الحدود التي لا ينبغي تجاوزها.
لكن الإجابة التي تقدمها شركات التكنولوجيا اليوم تبدو مختلفة تماما عما كانت عليه قبل أقل من عقد، خاصة مع التحول الذي شهده وادي السيليكون نحو اليمين خلال رئاسة دونالد ترامب، إلى جانب توقيع شركات التكنولوجيا عقودا دفاعية مربحة مع الحكومة الأمريكية، وفقًا للغارديان.
وبحسب التحليل، تصاعد الخلاف بين شركة “أنثروبيك” وإدارة ترامب قبل أيام بعدما رفعت الشركة دعوى قضائية ضد وزارة الحرب، معتبرة أن قرار الحكومة إدراجها على قائمة سوداء تمنعها من العمل مع المؤسسات الحكومية ينتهك حقوقها التي يكفلها التعديل الأول للدستور الأمريكي.
وجاءت هذه الخطوة بعد مواجهة استمرت أشهرا بين الشركة والبنتاغون، إذ حاولت “أنثروبيك” منع استخدام نموذجها للذكاء الاصطناعي في برامج المراقبة الجماعية داخل الولايات المتحدة أو في تطوير أسلحة قاتلة ذاتية التشغيل بالكامل.
وترى الشركة أن الاستجابة لمطالب وزارة الحرب بالسماح بـ”أي استخدام قانوني” لتقنيتها يتعارض مع مبادئ السلامة التي تأسست عليها، وقد يفتح الباب أمام إساءة استخدام التكنولوجيا. وبذلك تحاول الشركة، بحسب الغارديان، رسم حد أخلاقي واضح، تاركة لبقية شركات القطاع أن تقرر ما إذا كانت مستعدة لتجاوزه.
وأضافت الصحيفة أن رفض “أنثروبيك” إزالة ضوابط الأمان وما أعقبه من رد فعل من البنتاغون أعاد تسليط الضوء على المخاوف القديمة المتعلقة باستخدام الذكاء الاصطناعي في النزاعات، لكنه كشف في الوقت نفسه حجم التغير الذي طرأ على علاقة شركات التكنولوجيا الكبرى بالمؤسسة العسكرية خلال السنوات الأخيرة.
ونقلت الغارديان عن الباحثة في الذكاء الاصطناعي والعالمة الرئيسية للأخلاقيات في شركة “هاغينغ فايس”، مارغريت ميتشل، قولها إن من يبحث عن أطراف “خيرة” وأخرى “شريرة” في هذه القضية لن يجد ذلك بسهولة، مضيفة: “إذا كان الناس يبحثون عن طرف جيد لأنه لا يدعم الحرب، فلن يجدوا ذلك هنا”.
من احتجاجات داخلية إلى عقود عسكرية
وأشار تحليل الغارديان إلى أن عدة عوامل دفعت شركات التكنولوجيا الكبرى إلى تبني موقف أكثر تقبلا للتعاون العسكري. فالتقارب مع إدارة دونالد ترامب، وحرص عدد من الرؤساء التنفيذيين على إظهار دعمهم للرئيس، ربط شركات التكنولوجيا برغبة الحكومة في توسيع قدراتها العسكرية.
كما أن تعهد الإدارة بإعادة هيكلة الوكالات الفيدرالية باستخدام الذكاء الاصطناعي أرسل إشارة واضحة للشركات بأن هناك فرصة كبيرة لدمج منتجاتها في العمليات الحكومية والعسكرية، وهو ما قد يضمن لها عائدات مالية لسنوات طويلة.
وفي الوقت نفسه، ساهمت المخاوف الأمريكية من التقدم التكنولوجي الصيني، إلى جانب الزيادة الكبيرة في الإنفاق الدفاعي عالميا، في تغيير مواقف كثير من الشركات والعاملين في القطاع.
لكن الصحيفة لفتت إلى أنه قبل سنوات قليلة فقط كان التعاون مع الجيش في تطوير تقنيات قد تُستخدم لإلحاق الأذى بالبشر يعد خطا أحمر لدى كثير من موظفي شركات التكنولوجيا.
ففي عام 2018 أطلق آلاف العاملين في شركة غوغل احتجاجا ضد برنامج لتحليل صور الطائرات المسيّرة لصالح وزارة الحرب الأمريكية عُرف باسم “مشروع مافن”. وكتب أكثر من ثلاثة آلاف موظف في رسالة مفتوحة حينها: “نعتقد أن غوغل يجب ألا تكون في مجال الحرب”، ما دفع الشركة إلى عدم تجديد العقد ونشر سياسات تمنع تطوير تقنيات يمكن أن “تسبب أو تسهل بشكل مباشر إلحاق الأذى بالبشر”.
غير أن هذا الموقف تغير لاحقا. فبحسب الغارديان شددت غوغل القيود على الاحتجاجات داخل الشركة، وحذفت من سياساتها اللغة التي كانت تحظر تطوير تقنيات مرتبطة بالأسلحة، كما وقعت عددا من العقود التي تسمح للجيوش باستخدام منتجاتها.
وفي عام 2024 فصلت الشركة أكثر من خمسين موظفا بعد احتجاجات على علاقاتها العسكرية مع الحكومة الإسرائيلية. وبعد ذلك بعث الرئيس التنفيذي سوندار بيتشاي مذكرة للموظفين قال فيها إن غوغل شركة أعمال وليست مكانا “للصراع حول القضايا المثيرة للانقسام أو للنقاشات السياسية”.
كما أعلنت غوغل مؤخرا أنها ستوفر نموذج الذكاء الاصطناعي “جيميناي” للجيش لإنشاء منصة تسمح بتطوير “وكلاء ذكاء اصطناعي” للعمل في مشاريع عسكرية غير سرية.
أما شركة “أوبن إيه آي” فكانت حتى عام 2024 تمنع الجيوش تماما من استخدام نماذجها، لكنها غيرت موقفها لاحقا. ويشغل رئيس المنتجات فيها حاليا منصبا في “فيلق الابتكار التنفيذي” التابع للجيش الأمريكي برتبة مقدم احتياط.
كما وقعت الشركة، إلى جانب غوغل و”أنثروبيك” و”xAI”، عقدا قد تصل قيمته إلى 200 مليون دولار مع وزارة الحرب الأمريكية العام الماضي لدمج تقنيات الذكاء الاصطناعي في الأنظمة العسكرية.
وفي اليوم نفسه الذي أعلن فيه وزير الحرب الأمريكي بيت هيغسيث أن شركة “أنثروبيك” تشكل خطرا على سلسلة الإمداد، حصلت “أوبن إيه آي” على اتفاق يسمح باستخدام تقنياتها في أنظمة عسكرية سرية.
وفي سياق متصل، أشارت الغارديان إلى أن شركات أخرى مثل شركة التكنولوجيا الدفاعية “أندوريل” وشركة تقنيات المراقبة “بالانتير” جعلت التعاون مع وزارة الحرب ركنا أساسيا من أعمالها، وسعت إلى التأثير في توجهات وادي السيليكون السياسية بما يتماشى مع رؤيتها.
وكانت “بالانتير” من الشركات السباقة في العمل مع الجيش الأمريكي، إذ تعاونت مع الاستخبارات العسكرية في أوائل العقد الماضي لرسم خرائط للعبوات الناسفة المزروعة في أفغانستان.
كما نشر رئيسها التنفيذي أليكس كارب كتابا العام الماضي دعا فيه إلى تكامل أوثق بين صناعة التكنولوجيا والجيش الأمريكي، وذهب إلى حد وصف موظفي غوغل الذين احتجوا عام 2018 ضد مشروع “مافن” بأنهم “عدميون”.
وبعد أن تخلت غوغل عن عقد “مشروع مافن” عام 2019 تولت “بالانتير” المشروع، وأصبح اسم “مافن” اليوم يشير إلى النظام السري الذي يستخدمه العسكريون للوصول إلى نموذج “كلود” التابع لشركة “أنثروبيك”، وفق ما ذكرته صحيفة واشنطن بوست.
موقف أنثروبيك
ورغم الإشادة التي تلقتها شركة “أنثروبيك” بسبب مواجهتها مع البنتاغون، أكد مؤسسها المشارك والرئيس التنفيذي داريو أمودي أن الشركة والحكومة الأمريكية تتقاسمان في الواقع أهدافا متقاربة. وكتب في تدوينة الأسبوع الماضي أن “أنثروبيك لديها قواسم مشتركة مع وزارة الحرب أكثر بكثير مما لدينا من اختلافات”.
ورغم اتهام البيت الأبيض للشركة بأنها “يسارية متطرفة ومهووسة بثقافة اليقظة”، فإن مواقف أمودي لا تعكس توجها سلميا مطلقا. ففي مقال نشره في يناير حذر من مخاطر الذكاء الاصطناعي، مثل إمكانية استخدامه في تطوير أسلحة بيولوجية أو استغلاله من قبل الصين، لكنه دعا في المقابل إلى تزويد الحكومات الديمقراطية وجيوشها بأكثر تقنيات الذكاء الاصطناعي تقدما لمواجهة الخصوم الاستبداديين.
كما أعرب عن قلقه من موثوقية التكنولوجيا ومن احتمال احتكارها من قبل عدد محدود من الأشخاص القادرين على التحكم في جيوش من الطائرات المسيّرة الذاتية.
ورغم تمسكه بالخطوط الحمراء التي وضعتها الشركة، أكد أمودي رغبته في استمرار التعاون مع وزارة الحرب الأمريكية. وتكشف الدعوى القضائية التي رفعتها “أنثروبيك” أن الشركة لا تفرض القيود نفسها على استخدام الجيش لنموذج “كلود” كما تفعل مع المستخدمين المدنيين، إذ إن نسخة “Claude Gov” أقل ميلا لرفض طلبات تتعلق بالوثائق السرية أو العمليات العسكرية أو تحليل التهديدات.
ووفقا لتقارير إعلامية، استخدمت الحكومة الأمريكية نموذج “كلود” في اختيار الأهداف وتحليلها خلال حملة القصف ضد إيران، وهو استخدام لم تعترض عليه الشركة. ومع ذلك، أكد أمودي أن “أنثروبيك” لا تشارك في اتخاذ القرارات العسكرية العملياتية، لكنها تدعم الجنود الأمريكيين وتلتزم بتزويدهم بالتكنولوجيا.

