بقلم: Rabbi Mendy Chitrik, Chairman of the Alliance of Rabbis in Islamic States
نشرت في
المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر يورونيوز
بينما كنت أسير في ردهات “منتدى أنطاليا الدبلوماسي” معتمراً “الكيباه” (قلنسوة الرأس)، كنت أبدو غريباً وسط الوزراء والدبلوماسيين والمسؤولين الأمنيين. “لم أكن أتوقع رؤية حاخام هنا”، هكذا قال لي مسؤول أمريكي رفيع، لم يكن فظاً في قوله، بل ظهرت عليه علامات التعجّب.
اعلان
اعلان
إن الحاخامات والمجتمعات اليهودية جزء لا يتجزأ من التاريخ التركي ومن منطقة الشرق الأوسط. فعلى بعد عشرين كيلومتراً من “بيليك”، يضم موقع “سيدي” الأثري كنيساً يعود للقرن السابع، اكتشفته البروفيسورة “فريشتة ألانيالي” من جامعة الأناضول تحت منزل حديث.
وعلى أرضيته، وبجانب “شمعدان” (منوراه) محفور، نجد نقشاً باللغتين العبرية واليونانية يسجل أن “يوسف” القادم من “كوراكيسيون” المجاورة (ألانيا اليوم)، قام بترميم الكنيس تخليداً لذكرى ابنه “دانيال” الذي توفي في سن الثانية والنصف. وينتهي النقش بكلمة عبرية واحدة: “شالوم” (سلام).
إن الوجود اليهودي هنا يمتد من القرن الثاني قبل الميلاد، مروراً بالعصور القديمة المتأخرة، وصولاً إلى الكنيس الذي آمل أن أقرأ فيه “التوراة” في نوفمبر القادم.
لقد علّم “بن عزاي” أن الشخص المُكرّم هو من يُكرم الآخرين. كنت أنا وابني “حاييم” اثنين من بين أربعة يهود فقط ظهروا بوضوح في الأروقة. أحضرنا معنا مخطوطة “توراة”؛ ولو تجمع لدينا “مينيان” وهو نصاب الصلاة المكوّن من عشرة رجال في يوم السبت، لقرأنا منها، لكن ذلك النصاب لم يكتمل.
كانت الساعات الأولى بطيئة. أثارت “الكيباه” الانتباه؛ كان الناس ينظرون إلينا، ربما بدافع الفضول أو بتجهم، ثم يكملون طريقهم. لم يعد هذا الشعور غريباً الآن، حتى في بعض أجزاء أوروبا.
لكن نقطة التحول جاءت مع الوفد القطري. عندما انخرط الوزراء الآتون من الدوحة في حوار مفتوح معي، اعتبر الآخرون ذلك بمثابة “إذن” للحديث. وبحلول اليوم الثاني، بدأ أولئك الذين كانوا يتجنبون تلاقي الأعين يأتون لتعريف أنفسهم.
أما “دانيال ليفي”، المفاوض الإسرائيلي السابق للسلام، فكان حالة منفصلة؛ فقد لاحظ وجودي منذ البداية واغتنم الفرصة للحديث معي، وفي غضون دقائق، كنا نتتبع روابط كنسية مشتركة في شمال لندن.
وخلال مأدبة عشاء استضافها بتكرم الرئيس “رجب طيب أردوغان” ووزير الخارجية “هاقان فيدان”، تواصلت مع قادة من مختلف أنحاء المنطقة، من بينهم أمير دولة قطر، والرئيس السوري “أحمد الشرع”، الذي شكرته على حماية المجتمع اليهودي في دمشق من تهديد بقنبلة وقع مؤخراً، وغيرهم الكثير.
لم تكن كل المحادثات سهلة؛ فقد كانت هناك خطابات يصعب الاستماع إليها. لكن ما خرجتُ به كان عملياً؛ وهو أن لدي أمل في العودة إلى دمشق والدوحة قريباً. إن “تحالف الحاخامات في الدول الإسلامية” يزوّد المجتمع اليهودي في سوريا بالفعل بالطعام الحلال (كوشير)، وهذا العمل سيتوسع. كما أن للدوحة احتياجات مجتمعية ناشئة. إن عشاءً كهذا لا ينتج اتفاقيات، بل يمهّد للزيارة القادمة.
لقد حدث تصدّع كبير منذ السابع من أكتوبر والحرب في غزة. فالعلاقات التي كانت تبدو طبيعية يوماً ما خيّم عليها الصمت. إن المعاناة في غزة تشكل الطريقة التي يفهم بها الكثيرون في المنطقة هذه اللحظة. وفي الضفة الغربية، أدى العنف المتكرر ضد المدنيين إلى تعميق الشعور بالخوف وانعدام الثقة. هذه الأفعال تنتشر ويتآكل معها ما بقي من ثقة كانت أصلا ضئيلة.
نشعر أحيانا وكأن الجسور بين المجتمعات قد سقطت واحداً تلو الآخر، تماماً كالجسور التي دُمّرت على طول نهر الليطاني في لبنان.
في “بيليك” نفسها، وعلى بعد كيلومتر واحد من مركز “نيست” NEST للمؤتمرات، يوجد مجمع ديني حديث بني عام 2005 يضم كنيساً إلى جانب كنيسة ومسجد. إن الحياة اليهودية في هذه المنطقة أقدم من الصراعات الحالية، ولم تنتهِ بعد.
في نوفمبر، سيجلب مؤتمر “COP31” عشرات الآلاف من المندوبين إلى أنطاليا. وأنا أنوي التواجد في “بيليك” خلال المؤتمر لتوفير وجبات “الكوشير”، واستقبال يوم السبت في ذلك الكنيس، وإذا اكتمل النصاب، سأقرأ من مخطوطة التوراة التي نحملها. إن مساحة بُنيت قبل واحد وعشرين عاماً ستؤدي الغرض الذي بُنيت من أجله.
بعد وقف إطلاق النار، تخفت الضوضاء ويسود هدوء مؤقت. ليس سلاماً، بل “استراحة”. وفي تلك الاستراحة، يبرز سؤال بسيط: ماذا الآن؟
سأل هيليل هذا السؤال أيضًا: إن لم يكن الآن، فمتى؟
في جميع أنحاء أوروبا والشرق الأوسط، يُطرح هذا السؤال بلغات مختلفة. بالنسبة للكثيرين، الغريزة تدفعهم للانسحاب والتنحّي جانبا. لكننا بحاجة إلى التحدث؛ فبدون الحديث، لا يوجد طريق للمضي قدماً.
ولكن الأمر لا يمكن أن يظل مجرد كلمات؛ بل يجب أن يتبعه فعل. لقد كُتب لنا أن نعيش معاً، وتقع على عاتقنا مسؤولية أن نجعل ذلك ممكناً.
خلال أيام “العومر” (عدّ الأيام)، نبدأ في العدّ وصولاً إلى سيناء. العدّ هو الانضباط؛ فلا يمكنك تخطي المراحل.
لقد علّمنا “بن عزاي” قائلا: لا تستخف بأي شخص، ولا تتجاهل أي شيء. فلكل شخص ساعته. التعليم لا يتعلق بالاتفاق، بل يتعلق “بالاعتراف” بالآخر.
في مساء الجمعة بأحد فنادق أنطاليا، احتفلت بيوم السبت مع صحفي يهودي أمريكي وجد موطناً له في مجتمعنا بإسطنبول. وفي الليلة التالية قمنا بمراسم “الهفدالة” (نهاية السبت) معاً. كان على تلك الطاولة أشخاص لا يرون كل قضية بنفس الطريقة، لكن الطاولة احتوتهم على أي حال.
“يُعد الحاخام مندي شيتريك، المقيم في إسطنبول، المؤسس والرئيس لـ تحالف الحاخامات في الدول الإسلامية. وتُشرف هذه المنظمة على شبكة من الحاخامات النشطين في نطاق جغرافي واسع يمتد من المغرب وتونس إلى الإمارات وأذربيجان وإيران، وصولاً إلى دول في أفريقيا وآسيا الوسطى مثل نيجيريا وأوزبكستان.”

