نشرت في •آخر تحديث
للمرة الأولى منذ عقود وخلافا للحروب الماضية، شملت أوامر الإخلاء الإسرائيلية الحي المسيحي الواقع في صميم مدينة صور العتيقة، بعد أن كان الجيش يستثنيه طوال الفترات السابقة إلى جانب مرافق الدولة.
اعلان
اعلان
وجاء هذا القرار، اليوم الثلاثاء، على لسان المتحدث باسم الجيش أفيخاي أدرعي، الذي أشار سابقاً إلى وجود عناصر تابعة لحزب الله داخل هذا الربع السكني، معتبراً أن الحزب يعتقد أنه بات ملاذاً مأموناً له.
حساسية طائفية
ويكتسب هذا الاستهداف حساسية خاصة بالنظر إلى التركيبة التاريخية والمذهبية لمدينة صور. فهي تتألف من ثلاثة أحياء رئيسية: الحارة المسيحية شمالاً، التي تضم عدداً من الكنائس والمباني التراثية والأزقة الحجرية القديمة التي تعود إلى عصور مختلفة، والحارة الإسلامية جنوباً، حيث تنتشر معالم تاريخية تعكس الطابع العمراني الإسلامي للمدينة، ومنطقة الخراب غرباً على شاطئ البحر، التي تضم ثلاث مقابر تعكس تنوع المدينة الطائفي: إحداها للمسيحيين، والثانية للسنّة، والثالثة للشيعة.
وقد ظل أهالي هذه الأحياء لعقود نموذجاً فريداً للتعايش، بعيداً عن الصورة النمطية المستهلكة عن لبنان، فالكنائس والجوامع تتعانق في حيز ضيق، والجيران يتبادلون التهاني في الأعياد والمناسبات، والنزاعات الطائفية شبه معدومة. غير أن الحي المسيحي نفسه، الذي كان يستقبل النازحين من المناطق المجاورة، ازداد اكتظاظاً قبل أن يصله إنذار الإخلاء.
تضرّر معالم تراثية
ولا تقتصر حساسية صور على نسيجها الاجتماعي فحسب، بل تمتد إلى قيمتها التراثية العالمية. فقد شُيدت المدينة عام 2750 قبل الميلاد، وهي مدرجة على لائحة التراث العالمي لليونسكو. وقد تعرض أحد مواقعها الأثرية الذي يضم المرفأ الفينيقي والقلعة الصخرية لأضرار قبل يومين إثر قصف إسرائيلي، مما أثار مخاوف من امتداد الخراب إلى سائر المعالم التاريخية الأخرى، خاصة بعد إنذار اليوم.
ماذا عن سجن المدينة والمخيمات؟
وعلى مسافة قريبة من الحي المسيحي، ينتصب مبنى تراثي يعود للحكم العثماني، يستخدم حالياً كسجن على ميناء المدينة، حيث يحتجز عشرات الأشخاص الذين يقضون محكومياتهم، وهو ما يضاعف وطأة الأزمة الإنسانية في المنطقة ويطرح تساؤلات حول سلامتهم. كما تحيط بصور ثلاثة مخيمات للاجئين الفلسطينيين هي: الرشيدية، والبص، والبرج الشمالي، يقطنها أكثر من 55 ألف لاجئ، وتشير المعطيات إلى أن هذه التجمعات باتت في مرمى الخطر أيضاً مع اتساع رقعة الإنذارات.
وهنا يبرز سؤال محوري حول مقدرة الدولة اللبنانية على توفير الإيواء والحماية لأهالي المدينة والنازحين إليها واللاجئين الفلسطينيين حولها. فالسلطات تعاني أصلاً من عجز حاد في تأمين المتطلبات الأساسية لسكانها في ظل الأزمة الاقتصادية المستمرة. وخلال الأسابيع الماضية، كان سكان صور يعانون صعوبات جمّة في الحصول على المواد التموينية والمحروقات، فكيف بها اليوم جرّاء أوامر الإخلاء؟
حراك مدني لافت وضغط على نبيه بري، حليف حزب الله
وفي الآونة الأخيرة، كان قد برز حراك مدني غير مسبوق على مستوى البيئة الشيعية الجنوبية، لحماية المدينة وتحييدها عن القصف، ومطالبة الدولة اللبنانية بتثبيت حضورها بما يحفظ الأمن والاستقرار.
ففي 29 مايو/أيار الماضي، أطلق عدد من سكان صور نداءً حمل تواقيعهم لمحاولة إنقاذ المدينة من التدمير المستمر، ورفعوا عدة مطالب، أبرزها: إعلان صور مدينة مفتوحة خالية من السلاح، ونشر الجيش اللبناني والقوى الأمنية داخل المدينة ومحيطها، وتعزيز حضور مؤسسات الدولة، وإطلاق الحكومة لمبادرة دبلوماسية عاجلة عربية ودولية لحماية صور التاريخية، لكن المبادرة لم تلق صدى.
ويرى متابعون أن استهداف الحارة المسيحية يحمل أبعاداً سياسية تتجاوز العمليات العسكرية، إذ يأتي في سياق تأجيج النعرة الطائفية والضغط على رئيس مجلس النواب نبيه بري، الذي يتولّى ملف التفاوض باسم حليفه حزب الله ، على اعتبار أن المدينة تعتبر معقلاً لحركة “أمل” التي يترأسها.
وكانت وسائل إعلام إسرائيلية، منها القناة 12 العبرية قد أشارت سابقاً إلى ضرورة “استهداف بري سياسياً” عبر ممارسة الضغط على مدينته، خاصة مع تحركاته الأخيرة في قطر وباكستان لربط ملف الجنوب باتفاق شامل لوقف إطلاق النار.

