وقال المندوب البلجيكي الدائم لدى منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، السفير ووتر ديتافيرنييه، أمام الدورة الـ113 للمجلس التنفيذي للمنظمة في لاهاي، إن بلاده تشعر بالقلق إزاء الادعاءات الأخيرة المتعلقة باستخدام الجيش السوداني قنابل تحتوي على الكلور خلال الحرب.
وطالبت بلجيكا السلطات السودانية بتقديم معلومات إضافية، مؤكدة أن الردود التي وفرتها حتى الآن لا ترقى إلى مستوى الاتهامات المتداولة في المصادر المفتوحة. ويحمل هذا الموقف تشكيكاً واضحاً في قدرة التحقيقات التي تديرها سلطة بورتسودان على تقديم رواية كاملة وذات صدقية بشأن الملف.
وتكتسب التصريحات البلجيكية أهميتها لأنها صدرت من داخل المجلس التنفيذي للجهة الدولية المختصة حصراً بتنفيذ اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية، ولم تعد الاتهامات، بذلك، مجرد قضية تتداولها وسائل الإعلام أو أجهزة الاستخبارات؛ بل تحولت إلى ملف امتثال دولي يلاحق قيادة الجيش السوداني في لاهاي.
5 مواقف في دورة واحدة
جاء التصعيد البلجيكي ضمن موجة من المواقف الوطنية التي قدمتها الولايات المتحدة وألمانيا وأستراليا وفنلندا، في الدورة المنعقدة بين 6 و9 أكتوبر.
وتفاوتت صياغات هذه الدول، لكنها التقت عند 3 نقاط: خطورة الاتهامات، وعدم كفاية المعالجة من قبل سلطة بورتسودان، وضرورة التعاون الشفاف مع منظمة حظر الأسلحة الكيميائية.
ويكشف تراكم هذه المواقف خلال دورة واحدة أن استراتيجية بورتسودان القائمة على النفي وإدارة تحقيق داخلي مغلق لم تنجح في احتواء القضية. فبدلاً من تراجعها، باتت الاتهامات تُناقش في بيانات دبلوماسية رسمية، مع انتقال السؤال من: هل توجد مزاعم؟ إلى: لماذا لا تكشف السلطات السودانية نتائج تحقيقاتها وتفتح المواقع والسجلات أمام التحقق الدولي؟
واشنطن: بورتسودان مستمرة في عدم الامتثال
قدمت الولايات المتحدة الموقف الأكثر حدة من الناحية السياسية. وقالت سفيرتها لدى المنظمة نيكول شامبين إن سلطة بورتسودان مستمرة في عدم الامتثال لاتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية، على خلفية ما خلصت إليه واشنطن بشأن استخدام أسلحة كيميائية خلال عام 2024.
وأكدت شامبين أن بلادها ستواصل العمل مع شركائها لضمان امتثال الدول للاتفاقية، ودعت المجموعات الإقليمية والدول الأطراف إلى رفض ترشيح الدول التي تظل غير ممتثلة لعضوية المجلس التنفيذي.
وجاءت الدعوة مباشرة بعد تناول السفيرة ملفات السودان وإيران، ما يربط، سياسياً، بين احترام الحظر الكيميائي وأهلية الدول للمشاركة في الهيئة التنفيذية المسؤولة عن حمايته.
ويرفع البيان الأميركي كلفة استمرار سلطة بورتسودان في رفض التحقيق المستقل، ويهدد بتحويل ملف الأسلحة الكيميائية إلى أساس لعزلها داخل المنظمة وحرمانها من مواقع التأثير فيها.
كما يضع الموقف الأميركي قيادة الجيش السوداني أمام تناقض يصعب الدفاع عنه: فالدولة التي تواجه اتهاماً بانتهاك الاتفاقية لا تستطيع المطالبة بعضوية الجهاز التنفيذي المشرف عليها، بينما تحجب المعلومات والمواقع اللازمة للتحقق من الاتهامات.
ألمانيا: برنامج غير معلن وحوادث متعددة
وذهبت ألمانيا خطوة أبعد في توصيف نطاق القضية. وقالت سفيرتها غودرون لينغنر إن التقارير الإعلامية الجديدة تشير إلى أن الاستخدام المزعوم للأسلحة الكيميائية في السودان خلال عام 2024 ربما لم يكن حادثة منفردة، وإن المعلومات المنشورة تثير احتمال وجود برنامج كيميائي غير معلن.
وطالبت برلين السلطات في بورتسودان بإجراء تحقيق وطني شامل، واستكماله ونشر نتائجه سريعاً، والتعاون بصورة كاملة وشفافة مع منظمة حظر الأسلحة الكيميائية. كما شددت على ضرورة تحديد المسؤولين ومحاسبتهم إذا ثبت وقوع الاستخدام.
وتعد الإشارة إلى برنامج غير معلن تطوراً خطيراً؛ لأنها تنقل الملف من احتمال استخدام ذخيرة محظورة في واقعة ميدانية إلى احتمال وجود منظومة تشمل الحصول على المواد، وتطوير الذخائر، والتخزين، واختيار وسائل الإطلاق والأهداف.
ومثل هذا البرنامج، إذا أثبته التحقيق، لا يمكن اختزاله في تجاوز عسكري ارتكبه جنود في الميدان. فهو يحتاج إلى تمويل وخبرات ومنشآت ونقل وتخزين وقرارات عملياتية، ما يفتح باب التحقيق في مسؤولية سلسلة القيادة العليا ومدى علم قائد الجيش عبد الفتاح البرهان بالبرنامج أو موافقته عليه.
أستراليا تثير مسألة التخزين
بدورها، قالت أستراليا إنها تتابع بقلق بالغ التقارير المتعلقة بالتخزين والاستخدام المزعومين للأسلحة الكيميائية بواسطة القوات المسلحة السودانية، مضيفة بذلك بُعداً جديداً يتعلق بوجود مخزون محتمل، وليس بالاستخدام وحده.
وأشار السفير الأسترالي غريغوري فرنش إلى التحقيق الوطني السوداني، بما يشمل تقريراً مرحلياً جرى تلقيه، وطالب بتقديم عرض حقيقي وشفاف لأي حالة عدم امتثال للاتفاقية. وأكد أن المنظمة ينبغي أن تتحرك وفق ولايتها إذا ظهرت أدلة ذات صدقية.
غير أن مجرد إعداد تقرير مرحلي لا يبدد الشكوك ما لم يُنشر محتواه، وتُشرح منهجيته، وتُحدد المواقع التي فُحصت والأشخاص الذين استُمع إليهم، ويُسمح لخبراء مستقلين بمراجعة العينات والنتائج.
فالتحقيق الذي تديره الجهة المتهمة، بعيداً عن الرقابة المستقلة، لا يستطيع بمفرده منح قيادة الجيش شهادة براءة، خصوصاً عندما تملك تلك القيادة السيطرة على المواقع العسكرية والسجلات والذخائر والشهود.
فنلندا: لا حصانة من المساءلة
وأكدت فنلندا من جانبها قلقها الشديد من اتهامات استخدام أسلحة كيميائية في السودان، وطالبت السلطات السودانية بالتعامل معها بسرعة وموضوعية وشفافية.
كما رحبت بتأكيد الأمانة الفنية لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية أنها ستواصل متابعة الوضع، وشددت على أن حظر الأسلحة الكيميائية مطلق، وأنه لا يمكن السماح بالإفلات من العقاب على استخدامها.
وكانت المديرة العامة للمنظمة، سابرينا دالافيور، قد أكدت أن الأمانة الفنية تراقب عن كثب التقارير المتعلقة باستخدام الأسلحة الكيميائية في السودان ومناطق نزاع أخرى، وحثت الدول الأطراف على تزويدها بكل المعلومات ذات الصلة.
ويؤكد كل ذلك أن ملف السودان أصبح خاضعاً للمتابعة الفنية داخل المنظمة، وأن المعلومات التي تجمعها الدول قد تشكل أساساً لتحرك أكثر تقدماً إذا توافرت الإرادة السياسية والصلاحيات اللازمة.
مأزق التحقيق الذي تديره بورتسودان
تكشف المواقف الخمسة أن المشكلة لم تعد غياب رد سوداني، بل افتقار الرد القائم إلى الشفافية والاستقلالية. فسلطة بورتسودان تقول إنها تحقق في الاتهامات، لكنها لم تنشر نتائج متكاملة، ولم تفتح المنشآت والمخازن والسجلات أمام جهة دولية مستقلة، ولم تسمح بجمع عينات بيئية وطبية من المواقع المرتبطة بالهجمات المزعومة.
ولإثبات الحقيقة، ينبغي أن يشمل التحقيق دخول المواقع من دون قيود، وفحص التربة والمياه والجثامين والذخائر، ومراجعة السجلات الطبية والعسكرية، وتتبع سلسلة توريد الكلور، وتحديد الجهات التي اشترته ونقلته وخزنته، والمسؤولين عن تطوير الذخائر واختيار الأهداف وإصدار أوامر الاستخدام.
وأي تأخير إضافي يخدم الجهة المسيطرة على الأدلة؛ فبقايا المواد الكيميائية قد تتلاشى، والذخائر يمكن نقلها أو إتلافها، والمواقع قد تتغير، فيما يتشتت المصابون والشهود أو يصبح الوصول إليهم أكثر صعوبة.
النفي لم يعد كافياً
وضعت دورة المجلس التنفيذي الـ113 عبد الفتاح البرهان وسلطة بورتسودان أمام اختبار لا يمكن تجاوزه ببيانات الإنكار. بلجيكا تعتبر الأجوبة غير كافية، وألمانيا تتحدث عن احتمال وجود برنامج غير معلن، وأستراليا تثير مسألة التخزين، وفنلندا تؤكد استمرار المتابعة، بينما تصنف واشنطن السودان في ظل حكم سلطة بورتسودان دولة مستمرة في عدم الامتثال وتلوّح بمواجهة ترشحه لعضوية المجلس.
إذا كانت قيادة الجيش واثقة من روايتها، فإن عليها فتح المواقع والسجلات والمخازن أمام منظمة حظر الأسلحة الكيميائية وقبول تحقيق مستقل غير مشروط. أما الإصرار على إبقاء التحقيق داخل المؤسسات الخاضعة لسلطة البرهان فلن يبرئ الجيش؛ بل سيعمق الاعتقاد بأن بورتسودان تستخدم النفي والوقت لحجب الأدلة وحماية سلسلة القيادة.
لقد خرج “كيماوي الجيش” نهائياً من دائرة الاتهام المحلي إلى ساحة المساءلة الدولية. والاختيار أمام البرهان بات واضحاً: الشفافية الكاملة، أو تحمل المسؤولية السياسية والقانونية عن تعطيل الحقيقة في واحدة من أخطر الجرائم المحتملة في حرب السودان.

