كتبت – مروة الشريف : لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد أداة لتطوير الأعمال وتسريع الخدمات، بل يتحول تدريجيًا إلى قوة تعيد تشكيل سوق العمل والاقتصاد وطريقة اتخاذ القرار، وهو تحول يفرض تحديات جديدة على قطاعات السياحة والسفر والفنادق، التي كانت دائمًا من أكثر الصناعات اعتمادًا على العنصر البشري والتفاعل المباشر مع العملاء.
وتكشف التجارب التاريخية للثورات الاقتصادية أن التكنولوجيا تصبح مصدرًا للسخط عندما يشعر العاملون والمجتمعات بأنها تهدد وظائفهم أو تقلص قيمة خبراتهم أو تنتزع منهم القدرة على التحكم في مستقبلهم. وهذه المخاوف تبدو أكثر وضوحًا مع الذكاء الاصطناعي، الذي ينتشر بسرعة غير مسبوقة ويقتحم وظائف كانت حتى وقت قريب حكرًا على البشر.
وفي قطاع السياحة، قد تمتد هذه الموجة من مكاتب حجز الرحلات والفنادق إلى المطارات وشركات الطيران، مع الاعتماد المتزايد على الخوارزميات في التسعير والتنبؤ بالطلب واختيار العروض وتقييم أداء العاملين والتعامل مع شكاوى المسافرين.
لكن الخطر الأكبر لا يكمن بالضرورة في اختفاء الوظائف، وإنما في تحول الموظف السياحي إلى منفذ لقرارات لا يعرف كيف اتخذتها الخوارزمية. فإذا أصبح نظام آلي هو الذي يحدد أحقية عميل في ترقية غرفة فندقية، أو يقرر السعر الذي يدفعه المسافر، أو يصنف أداء موظف الاستقبال، فقد تنتقل أزمة التكنولوجيا من سوق العمل إلى الثقة في المنظومة السياحية نفسها.
وفي المقابل، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يمنح السياحة مكاسب ضخمة، من خلال تحليل حركة الزوار، وإدارة الحشود، وتحسين استهلاك الطاقة في الفنادق، والتنبؤ بالإشغالات، وتصميم برامج سفر شخصية، وترجمة اللغات، ورفع كفاءة المطارات والمرافق السياحية.
وتصبح المعادلة الحقيقية إذن هي كيفية استخدام التكنولوجيا دون تحويل الإنسان إلى رقم داخل نظام رقمي مغلق. فالسائح لا يشتري غرفة أو تذكرة فقط، وإنما يشتري تجربة، والثقة والضيافة والقدرة على التعامل مع المواقف الاستثنائية تظل عناصر يصعب اختزالها بالكامل في خوارزمية.
ومن هنا، فإن مستقبل السياحة لن يكون مواجهة بين الإنسان والآلة، وإنما اختبارًا لقدرة القطاع على بناء نموذج يجمع بين كفاءة الذكاء الاصطناعي وقيمة العنصر البشري، بحيث تصبح التكنولوجيا وسيلة لتحسين الخدمة لا أداة لإلغاء الإنسان من المشهد.
وفي صناعة تقوم في جوهرها على السفر واكتشاف الأماكن والتواصل بين الثقافات، قد يكون الحفاظ على اللمسة الإنسانية هو الاستثمار الأهم وسط الثورة الرقمية.
إقرأ أيضاً :

