كتبت – حنان خليل : لم تعد المتاحف المصرية مجرد أماكن لحفظ القطع الأثرية وعرضها أمام الزائرين، وإنما تتجه وزارة السياحة والآثار إلى إعادة تعريف دورها باعتبارها مؤسسات ثقافية وتعليمية وسياحية وترفيهية مفتوحة على المجتمع، يمكن أن تسهم في صناعة الطلب السياحي المحلي، وتأهيل الكوادر للعمل في قطاع السياحة، وجذب أجيال جديدة إلى المنتج الثقافي المصري.
ويأتي برنامج النشاط الصيفي للمتاحف في إطار هذه الرؤية، بعدما توسع ليشمل عشرات الأنشطة التدريبية والمعارض والبرامج الموجهة للأطفال والشباب وطلاب الجامعات والجمهور العام، بما يجعل المتحف جزءًا من منظومة أوسع لتطوير السياحة الثقافية والاستثمار في العنصر البشري.
وأكد الدكتور أحمد حميدة، رئيس قطاع المتاحف، أن الوزارة أطلقت برنامج النشاط الصيفي انطلاقًا من رؤية تعتبر المتحف مؤسسة تخدم المجتمع، وتستهدف تحقيق تواصل مجتمعي مستدام ورفع الوعي الثقافي والأثري، إلى جانب تأهيل الشباب لسوق العمل وجذب الجمهور المصري للتعرف على قيمة التراث.
52 نشاطًا لتغيير علاقة الشباب بسوق السياحة
وتكشف أرقام البرنامج عن تركيز واضح على ربط المتاحف بسوق العمل السياحي؛ إذ يتضمن 52 نشاطًا تدريبيًا داخل المتاحف المصرية، تستهدف بصورة خاصة طلاب كليات السياحة والفنادق، وأقسام الإرشاد السياحي، وكليات الآثار والفنون.
وتكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة في ظل حاجة القطاع السياحي إلى كوادر تمتلك معرفة أكاديمية وخبرة عملية في الوقت نفسه.
فالتدريب داخل المتحف يمنح الطالب فرصة للتعامل المباشر مع القطع الأثرية وقاعات العرض وأساليب التواصل مع الجمهور، بدلًا من الاقتصار على الدراسة النظرية داخل قاعات المحاضرات.
وهنا يتحول المتحف إلى مختبر عملي لإعداد العاملين في السياحة الثقافية، بما يمكن أن ينعكس مستقبلًا على جودة خدمات الإرشاد والتفسير المتحفي والتعامل مع السائح.
من قاعة المحاضرات إلى قاعة العرض
ويتم تنفيذ البرامج بالتنسيق مع الجامعات والمعاهد، مع الجمع بين الجانب النظري والتطبيق العملي.
وهذا النموذج يمثل حلقة مهمة في معالجة واحدة من أبرز تحديات سوق العمل السياحي، وهي الفجوة بين ما يحصل عليه الطالب خلال سنوات الدراسة وبين المهارات التي يحتاجها عند دخوله سوق العمل.
ومن خلال التدريب داخل المتحف، يصبح الطالب أقرب إلى طبيعة الوظيفة الفعلية، سواء في الإرشاد السياحي أو العمل المتحفي أو تنظيم الفعاليات الثقافية أو التواصل مع الزائرين.
كما أن إشراك طلاب الفنون والآثار إلى جانب طلاب السياحة والفنادق يخلق بيئة متعددة التخصصات يمكن أن تنتج أفكارًا جديدة لتقديم التراث وتسويقه.
18 معرضًا.. الاستثمار في «المحتوى» لجذب الزائر
ولا يعتمد البرنامج على التدريب وحده، إذ يتضمن 18 معرضًا مؤقتًا لعرض مقتنيات أثرية لم تعرض من قبل.
وهذه الخطوة تحمل قيمة سياحية مهمة، لأن تجديد المحتوى المعروض داخل المتحف يمثل أحد عوامل إعادة جذب الجمهور.
فالسائح أو الزائر المحلي لا يبحث فقط عن مبنى تاريخي، وإنما عن تجربة متجددة تدفعه إلى العودة مرة أخرى.
وبالتالي، يمكن للمعارض المؤقتة أن تتحول إلى أداة تسويقية غير مباشرة للمتاحف، عبر خلق مناسبات متكررة للزيارة وإطلاق قصص جديدة حول مقتنيات التراث المصري.
كما تتيح هذه المعارض فرصة لتسليط الضوء على قطع قد لا تحظى بالاهتمام نفسه الذي تحصل عليه القطع الأشهر، بما يوسع دائرة المعرفة بالحضارة المصرية.
63 برنامجًا للأطفال.. صناعة السائح تبدأ مبكرًا
ويضم النشاط الصيفي أيضًا أكثر من 63 نشاطًا وبرنامجًا للأطفال موزعة على مختلف المتاحف.
وتتجاوز أهمية هذه البرامج الجانب الترفيهي، لأنها تستهدف بناء علاقة مبكرة بين الطفل والمتحف.
فالأطفال الذين يعتادون زيارة المتاحف والتعامل مع التاريخ من خلال الرسم والحكي والألعاب والورش التفاعلية، يمكن أن يتحولوا مستقبلًا إلى جمهور دائم للسياحة الثقافية.
كما أن الطفل غالبًا ما يكون بوابة لدخول الأسرة بأكملها إلى المتحف، وهو ما يجعل الاستثمار في البرامج العائلية جزءًا من استراتيجية زيادة الطلب المحلي على السياحة الثقافية.
المتحف يخرج من أسواره
ومن أبرز التحولات التي يشهدها البرنامج اتجاه بعض المتاحف إلى تنفيذ برامج للإتاحة والخروج إلى المجتمع المحيط.
وهذه الخطوة تعكس تغيرًا في فلسفة العمل المتحفي، من انتظار الجمهور داخل المبنى إلى الذهاب إلى الجمهور في المدارس والجامعات والمجتمعات المحلية والفعاليات العامة.
ويكتسب هذا التوجه أهمية خاصة في المحافظات التي تمتلك متاحف ومواقع أثرية لكنها لا تستفيد بالقدر الكافي من حركة السياحة الثقافية.
فكلما زادت معرفة المجتمع المحلي بالمتحف وقيمته، أصبح أكثر قدرة على دعم المنتج السياحي وحمايته والترويج له.
كل محافظة.. منتج ثقافي مختلف
ويتم تنفيذ الأنشطة وفق طبيعة كل محافظة واحتياجات الفئات المستهدفة، وهو ما يفتح الباب أمام تطوير نموذج أكثر ارتباطًا بالهوية المحلية.
فالمتحف في مدينة ساحلية يمكن أن يركز على التراث البحري، بينما يمكن لمتحف في محافظة ذات جذور فرعونية أن يربط أنشطته بتاريخ المنطقة ومواقعها الأثرية.
وهذا التنوع يساهم في تحويل المتاحف إلى مكونات حقيقية في المنتج السياحي للمحافظات، بدلًا من كونها نقاط زيارة منفصلة عن بقية عناصر الرحلة.
السياحة الثقافية تبدأ من السائح المصري
ويأتي التركيز على الجمهور المحلي في وقت يمثل فيه السياح المصريون المحتملون سوقًا مهمة للسياحة الثقافية.
فزيادة زيارات المصريين للمتاحف تخلق قاعدة جماهيرية مستقرة، وتقلل من اعتماد المؤسسات الثقافية على الحركة الأجنبية وحدها.
كما أن رفع الوعي بالتراث لدى المواطن المصري يخلق بدوره سفراء غير رسميين للمقصد، لأن المواطن الذي يعرف تاريخ بلده يستطيع نقل هذه المعرفة إلى الزائرين والترويج لمناطق الجذب المحيطة به.
ومن هنا، فإن السياحة الداخلية ليست بديلًا عن السياحة الدولية، وإنما قاعدة داعمة لها.
الاستثمار الحقيقي.. في الإنسان والتجربة
وتكشف فلسفة النشاط الصيفي عن أن الاستثمار السياحي لا يرتبط فقط ببناء الفنادق والمنشآت، وإنما يبدأ من الاستثمار في الإنسان والمحتوى والتجربة.
فوجود متحف متطور يحتاج إلى مرشد مؤهل، وموظف قادر على التواصل، ومصمم يستطيع تقديم المعلومة بصورة جذابة، ومنظم فعاليات يستطيع تحويل الزيارة إلى تجربة متكاملة.
كما يحتاج المتحف إلى محتوى متجدد وبرامج قادرة على الوصول إلى الأطفال والشباب والعائلات والسائحين.
وهذه العناصر جميعها تدخل في النهاية ضمن معادلة القدرة التنافسية للسياحة الثقافية المصرية.
«نعمل من أجل مستقبل ماضينا»
وأكد أحمد حميدة أن الوزارة تستهدف زيادة اهتمام الجمهور المصري بالمتاحف وتعريفه بقيمة التراث وأهميته، مستشهدًا بمقولة: «من ليس له ماضٍ ليس له حاضر ولا مستقبل»، بينما يعمل قطاع المتاحف تحت شعار «نعمل من أجل مستقبل ماضينا».
وتلخص هذه الرؤية التحول الذي تسعى إليه الوزارة؛ فالمتحف لم يعد مكانًا للنظر إلى الماضي فقط، وإنما منصة لصناعة المستقبل من خلال التعليم والتدريب والسياحة والثقافة.
ومع 52 نشاطًا تدريبيًا، و18 معرضًا مؤقتًا، وأكثر من 63 برنامجًا للأطفال، تتجه المتاحف المصرية إلى لعب دور يتجاوز حفظ الآثار، لتصبح جزءًا من اقتصاد السياحة الثقافية وصناعة الكوادر وتوسيع قاعدة الجمهور.
والرهان الحقيقي هنا ليس فقط على عدد زوار المتحف خلال موسم الصيف، وإنما على بناء علاقة مستدامة بين المواطن المصري وتراثه، وإعداد جيل جديد يستطيع تحويل هذا التراث إلى تجربة سياحية عالمية أكثر جاذبية وقدرة على المنافسة.
إقرأ أيضاً :

