كتبت_شيماء رمضان: لم يكن افتتاح المتحف المصري الكبير في الأول من نوفمبر 2025 مجرد إضافة معلم أثري جديد إلى قائمة المزارات السياحية المصرية، بل مثّل انطلاقة لمرحلة جديدة في تقديم الحضارة المصرية للعالم، من خلال صرح يجمع بين عراقة التاريخ والتطور التكنولوجي، ويمنح الزائر تجربة متحفية متكاملة بالقرب من أهرامات الجيزة.
وبعد رحلة طويلة امتدت لأكثر من ثلاثة عقود منذ ظهور فكرة المشروع، أصبح المتحف أحد أبرز المقاصد السياحية في مصر، بعدما نجح في جذب أكثر من 5 ملايين زائر خلال عامه الأول من التشغيل الرسمي، وفق تصريحات الدكتور أحمد غنيم، الرئيس التنفيذي لهيئة المتحف المصري الكبير، في أكتوبر 2026، وهو ما يعكس حجم الاهتمام المحلي والدولي بهذا الصرح الحضاري.
وكشفت مؤشرات الزيارة عن الإقبال المتزايد على المتحف، حيث سجل نحو 4 ملايين زائر منذ افتتاحه الرسمي وحتى نهاية أغسطس 2026، وفق البيانات التي استعرضتها وزارة السياحة والآثار خلال اجتماع مجلس إدارة هيئة المتحف في سبتمبر الماضي، قبل أن يتجاوز العدد حاجز 5 ملايين زائر خلال أكتوبر، بحسب تصريحات الرئيس التنفيذي للهيئة.
ولا تقتصر أهمية هذه الأرقام على قياس حجم الإقبال الجماهيري، بل تعكس نجاح المتحف في ترسيخ نفسه باعتباره مقصدًا رئيسيًا ضمن البرامج السياحية التي تنظمها الشركات للسائحين القادمين إلى مصر، فضلًا عن دوره في تعزيز جاذبية القاهرة والجيزة أمام محبي السياحة الثقافية والأثرية.
من كنوز توت عنخ آمون إلى تجربة سياحية متكاملة
ويتميز المتحف المصري الكبير بتجربة استثنائية لا تعتمد فقط على عرض القطع الأثرية، وإنما تقدم سردًا متكاملًا لتاريخ الحضارة المصرية القديمة، بداية من عصور ما قبل الأسرات وحتى العصرين اليوناني والروماني.
وتتصدر كنوز الملك الذهبي توت عنخ آمون أبرز عوامل الجذب داخل المتحف، حيث تُعرض مجموعته الأثرية كاملة للمرة الأولى منذ اكتشاف مقبرته عام 1922، إلى جانب مقتنيات الملكة حتب حرس ومتحف مراكب الملك خوفو، فضلًا عن آلاف القطع التي توثق تطور الحياة المصرية القديمة عبر العصور.
كما يوفر المتحف مجموعة متنوعة من الخدمات والمرافق، تشمل المناطق التجارية والمطاعم والكافيتريات والحدائق والمساحات المفتوحة، إلى جانب المراكز التعليمية وقاعات المعارض والأنشطة الثقافية، وهو ما يحول الزيارة من جولة تقليدية لمشاهدة الآثار إلى تجربة سياحية وثقافية متكاملة تناسب مختلف الفئات العمرية.

فرص استثمارية جديدة تدعم القطاع الفندقي
ويمتد تأثير المتحف المصري الكبير إلى ما هو أبعد من النشاط الأثري والثقافي، إذ يمثل أحد المحركات المهمة لتنشيط الاستثمارات السياحية في القاهرة والجيزة، خاصة مع تزايد الحاجة إلى خدمات الإقامة والضيافة والنقل والأنشطة الترفيهية المحيطة بالمقصد السياحي.
ويمنح الإقبال المتزايد على المتحف فرصًا أمام المستثمرين لتطوير منشآت فندقية متنوعة، تقدم مستويات مختلفة من الخدمات وتستوعب احتياجات الأسواق السياحية المتعددة، سواء السائحين الباحثين عن الإقامة الفاخرة أو الزائرين المهتمين بالرحلات الثقافية وبرامج اكتشاف الحضارة المصرية.
ولا تقتصر الفرص الاستثمارية على الفنادق التقليدية، بل تمتد إلى الخدمات السياحية المتخصصة، والنقل السياحي، والمطاعم، ومراكز التسوق، والأنشطة الترفيهية والثقافية، فضلًا عن المنتجات المرتبطة بالتراث المصري، بما يسهم في توسيع دائرة المستفيدين من النشاط السياحي.

المتحف يدعم زيادة الإنفاق السياحي وإطالة مدة الإقامة
ومن أبرز المكاسب التي يمكن أن يحققها المتحف للاقتصاد السياحي قدرته على تشجيع الزائرين على تخصيص وقت أطول للإقامة في القاهرة والجيزة، خاصة مع وجود مجموعة من المقاصد الأثرية القريبة التي يمكن دمجها في برامج سياحية متكاملة.
فإلى جانب زيارة المتحف المصري الكبير، يستطيع السائح الاستمتاع بأهرامات الجيزة ومنطقة سقارة والقاهرة التاريخية والمتحف القومي للحضارة المصرية، وهو ما يتيح لشركات السياحة تصميم برامج متنوعة تجمع بين الآثار والتاريخ والثقافة والتجارب المحلية.
وتنعكس زيادة مدة الإقامة على قطاعات متعددة، في مقدمتها الفنادق والمطاعم والنقل السياحي والمرشدون السياحيون ومقدمو الخدمات، بما يفتح المجال أمام زيادة حجم الإنفاق السياحي وتعظيم العائد الاقتصادي من كل زيارة.

تحديات أمام تعظيم الاستفادة من المشروع
ورغم المؤشرات الإيجابية التي حققها المتحف خلال عامه الأول، فإن تعظيم عوائده السياحية والاقتصادية يرتبط بمدى تكامل الخدمات المحيطة به، وتطوير البنية الأساسية، وتحسين وسائل النقل والوصول، إلى جانب توفير خدمات ضيافة تتناسب مع تنوع الجنسيات والأسواق المستهدفة.
كما يمثل الحفاظ على جودة التجربة المتحفية وتنظيم حركة الزائرين أحد العوامل الأساسية لاستمرار نجاح المشروع، خاصة مع تزايد الإقبال على زيارة المجموعات الأثرية الأكثر شهرة، وفي مقدمتها مقتنيات الملك توت عنخ آمون.
وبذلك، لم يعد المتحف المصري الكبير مجرد وجهة لمشاهدة آثار الحضارة القديمة، بل أصبح عنصرًا مهمًا في تطوير المنتج السياحي المصري، ودعم السياحة الثقافية، وفتح مسارات جديدة للاستثمار، بما يعزز قدرة مصر على تقديم تجربة سياحية تجمع بين التاريخ والحداثة وتزيد من تنافسيتها على خريطة السياحة العالمية.

