كتبت_شيماء رمضان: عادت قضية الشابة السورية آيات الرفاعي إلى واجهة النقاش العام مجددًا، لتفتح الباب أمام ملف أكثر اتساعًا يتعلق بالعنف ضد المرأة، وحدود الحماية التي توفرها القوانين للضحايا، ومدى قدرة المؤسسات على منع تكرار مثل هذه الوقائع.
وتطرح القضية تساؤلات تتجاوز تفاصيل الجريمة نفسها؛ فالعنف ضد النساء لا يرتبط دائمًا بالاعتداء الجسدي فقط، وإنما قد يبدأ بالتحكم والتهديد والإهانة والعنف النفسي، قبل أن يتطور إلى اعتداءات أكثر خطورة، وقد يصل في بعض الحالات إلى القتل.
آيات الرفاعي.. قضية لم تُغلق آثارها
تعود قضية آيات الرفاعي إلى عام 2022، عندما توفيت الشابة السورية في العاصمة دمشق، بعد تعرضها للضرب داخل منزل زوجها، في واقعة أثارت غضبًا واسعًا وأصبحت واحدة من القضايا التي أعادت ملف العنف الأسري إلى دائرة الضوء.
ومع عودة القضية إلى الواجهة، برزت مجددًا أسئلة تتعلق بمدى فاعلية الإجراءات القانونية، ومدى قدرة الضحايا وأسرهم على الحصول على الحماية، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بالأطفال الذين قد يجدون أنفسهم في قلب تداعيات الجريمة حتى بعد انتهائها.
العنف لا يبدأ بالاعتداء الجسدي
يرى طرح القضية أن العنف الأسري لا يظهر دائمًا في صورة اعتداء مباشر، بل قد يبدأ بسلوكيات تبدو أقل خطورة، مثل السيطرة على المرأة، أو مراقبة تحركاتها، أو تهديدها، أو إهانتها، أو محاولة فرض قرارات معينة عليها.
ومع استمرار هذه الممارسات دون تدخل حقيقي، قد تتطور تدريجيًا إلى عنف جسدي أكثر حدة، وهو ما يجعل التعامل المبكر مع مؤشرات العنف أمرًا أساسيًا لحماية الضحايا قبل الوصول إلى نتائج لا يمكن تداركها.
الأطفال.. ضحايا خارج دائرة الجريمة
ولا تتوقف آثار العنف الأسري عند المرأة وحدها، إذ يمكن أن تمتد إلى الأطفال الذين يعيشون داخل بيئة يسودها الخوف والاعتداء.
فالأطفال الذين يشاهدون العنف ضد أمهاتهم قد يتعرضون لآثار نفسية واجتماعية طويلة المدى، حتى إذا لم يكونوا طرفًا مباشرًا في الواقعة. وفي بعض الحالات، يتحول الطفل من شاهد على العنف إلى ضحية جديدة لتداعياته.
وتبرز هنا أهمية توفير الحماية للأطفال، ليس فقط من خلال الإجراءات القضائية، وإنما أيضًا عبر الدعم النفسي والاجتماعي، وضمان عدم تعرضهم مجددًا للتهديد أو الضغط.
القانون.. هل يردع الجاني فعلًا؟
تفتح القضية سؤالًا أكثر حساسية حول دور القانون في مواجهة العنف الأسري: هل تكفي العقوبة بعد وقوع الجريمة، أم أن حماية الضحايا تتطلب إجراءات وقائية تبدأ قبل وقوع الاعتداء؟
وتشير القضية إلى أن العدالة لا ينبغي أن تقتصر على محاكمة مرتكب الجريمة، وإنما يجب أن تشمل أيضًا توفير الحماية للضحايا وأسرهم وأطفالهم، ومنع تكرار التهديد أو الاعتداء، وضمان تنفيذ الأحكام والإجراءات القانونية بصورة فعالة.
من داخل الأسرة إلى الفضاء العام
وتتسع القضية لتطرح مخاوف بشأن انتقال ثقافة الوصاية والسيطرة من نطاق الأسرة إلى المجال العام، خاصة عندما تتحول بعض الأفكار الاجتماعية إلى مبرر للتدخل في اختيارات المرأة وحريتها وقراراتها.
ففرض السيطرة على المرأة لا يبدأ بالضرورة بالعنف، وإنما قد يبدأ بمحاولة تحديد ما ترتديه، أو كيف تتصرف، أو أين تذهب، أو مع من تتحدث، ثم يتحول تدريجيًا إلى ممارسة للوصاية على حياتها.
ومن هنا، يصبح التصدي للعنف قضية مجتمعية متكاملة، لا تقتصر مسؤوليتها على الضحية أو أسرتها، وإنما تتطلب وعيًا اجتماعيًا وتشريعات فعالة ومؤسسات قادرة على التدخل والحماية.
المواجهة تبدأ قبل وقوع الجريمة
وتؤكد هذه القضية أن مواجهة العنف ضد المرأة لا يجب أن تبدأ بعد وقوع الجريمة، بل منذ ظهور علاماته الأولى؛ فالتعامل مع التهديد والإهانة والسيطرة والعنف النفسي باعتبارها مؤشرات خطرة قد يسهم في منع تطورها إلى اعتداءات أكثر جسامة.
كما أن حماية المرأة تتطلب وجود منظومة متكاملة تجمع بين القانون والتوعية والدعم النفسي والاجتماعي، إلى جانب ضمان حماية الأطفال الذين قد يدفعون هم أيضًا ثمن العنف داخل الأسرة.
وفي النهاية، تظل قضية آيات الرفاعي أكثر من مجرد واقعة أثارت الجدل؛ فهي تطرح سؤالًا مجتمعيًا أوسع: كيف يمكن كسر دائرة العنف قبل أن تتحول من سلوك داخل الأسرة إلى جريمة تهدد حياة المرأة وأمان المجتمع بأكمله؟

