مبنى الكرملين في العاصمة الروسية موسكو
تواجه روسيا رهاناً حقيقاً لقدرتها على تحويل الاضطرابات الإقليمية في الشرق الأوسط إلى مكاسب ملموسة، في وقت يختنق فيه اقتصادها تحت وطأة العقوبات الغربية المتصاعدة منذ سنوات.
تكشف الحرب في إيران عن فرص، وإن كانت محدودة، لموسكو لاستثمارها، سواء لجهة انشغال الأطراف الدولية بالصراع وتداعياته، وكذلك لجهة ارتفاع أسعار النفط، المورد الأكثر حساسية واستراتيجية بالنسبة لميزانيتها، في تخفيف الضغوط المالية التي تفرضها التزامات الإنفاق الدفاعي والاقتصادي الهائل منذ انطلاق حملتها العسكرية في أوكرانيا.
على صعيد أسعار النفط، تعكس العقوبات الغربية، التي طوقت السوق الأوروبية وفرضت سقوفاً على أسعار النفط الروسي، مدى تعقيد الاستفادة الاقتصادية من أي صدمة سعرية مفاجئة. فالارتفاع المتناسب في أسعار النفط، رغم أهميته، لا يمنح موسكو الحرية الكاملة لتجاوز القيود اللوجستية والتأمينية وسلاسل الإمداد التي تحد من تصدير الخام بأسعار حقيقية تعكس السوق العالمية.
وعلى الصعيد الاستراتيجي، فإن انصراف الولايات المتحدة للتركيز على الحرب في إيران ربما يحرم كييف من مساندة أميركية في هذه الفترة، وبما يصب لصالح روسيا على الجانب العسكري والاستراتيجي.
في هذا السياق، وتحت عنوان (بوتين هو الفائز الأكيد في الحرب الإيرانية) يشير مقال في “بلومبرغ” إلى جانب من أوجه الاستفادة التي يمكن أن تجينها روسيا من تصاعد الاضطرابات في منطقة الشرق الأوسط، مركزاً بشكل أساسي على الشق العسكري.
وقد ورد في المقال أن:
- السفن البحرية الأميركية تطلق صواريخ توماهوك على إيران لتدمير منصات إطلاق الصواريخ والمصانع، مما يقلل من احتمالية قيام الولايات المتحدة بتزويد أوكرانيا بصواريخ توماهوك.
- قد يفيد الصراع مع إيران روسيا من خلال استنزاف مخازن الصواريخ الأميركية، ورفع أسعار النفط العالمية، وربما إنعاش سوق الطاقة الروسية الخاضعة للعقوبات.
- إن حرباً طويلة الأمد مع إيران قد تستنزف القدرات الأميركية اللازمة لردع التحديات من موسكو وبكين، وقد تؤدي إلى وقف إطلاق نار في أوكرانيا يصب في مصلحة روسيا.
ويشير إلى أن الاقتصاد الروسي وميزانية الحكومة يتعرض لضغوط متزايدة نتيجة أربع سنوات من الاقتراض المفرط لدعم المجهود الحربي. وقد بدأ المواطنون الروس العاديون يشعرون بآثار ذلك. بينما سيسهم ارتفاع أسعار النفط العالمية في حل المشكلة.
استفادة ضيقة
يقول مدير مركز العمليات الجيوسياسية الدولية في موسكو، الدكتور عمرو الديب، لموقع “اقتصاد سكاي نيوز عربية”:
- الاستفادة الروسية من تصاعد التوترات الجيوسياسية الحالية ستظل في حدود ضيقة وليست واسعة النطاق.
- هناك اعتبارات لوجستية وتجارية تحد من قدرة موسكو على تحقيق مكاسب كبيرة من ارتفاع أسعار الطاقة.
- روسيا، رغم امتلاكها منافذ تصدير رئيسية عبر موانئها في بحر البلطيق والبحر الأسود والمحيط الهادئ، فإن جزءاً من عمليات شراء النفط الروسي وإعادة بيعه يتأثر بالتطورات الجيوسياسية وسلاسل الإمداد المرتبطة بها.
ويضيف أن الصين تُعد حالياً المشتري الرئيسي للنفط والغاز الروسي، في ظل خروج السوق الأوروبية فعلياً من معادلة الصادرات الروسية بعد حزم العقوبات الأوروبية والأميركية التي استهدفت قطاع النفط والنقل البحري الروسي، مشيراً إلى أن الصادرات إلى الصين تخضع لعقود طويلة الأجل وبأسعار تختلف عن أسعار البورصات العالمية، حيث تحصل بكين على النفط الروسي بخصومات ملحوظة.
ويؤكد أنه رغم أن ارتفاع أسعار النفط عالمياً قد يخلق فارقاً سعرياً حتى مع استمرار الخصومات، فإن فقدان السوق الأوروبية بشكل رسمي، إلى جانب القيود المفروضة على الشحن والتأمين والنقل، يقلص من فرص استفادة روسيا وشركاتها من الأزمة الحالية، لتبقى المكاسب المحتملة محدودة وليست بالحجم الذي قد يتوقعه البعض.
توازن الميزانية
هذا الرأي يؤكد تقرير لـ “رويترز” يشير إلى أن ارتفاع أسعار النفط المدفوع بإيران لا يكفي لتحقيق التوازن في ميزانية روسيا.
ويشير التقرير إلى أن
- روسيا تعاني من عجز في الميزانية، والذي يتزايد بسبب النقص في عائدات النفط والغاز التي تشكل ما يقرب من ربع عائدات الميزانية.
- يُباع النفط الروسي بسعر مخفض بشكل رئيسي بسبب العقوبات الغربية المفروضة على خلفية الحرب في أوكرانيا، بما في ذلك سقف الأسعار الذي خفضه الاتحاد الأوروبي إلى 44.10 دولاراً للبرميل للحد من عائدات النفط الروسية.
- لقد استنزفت خزائن الدولة بسبب الإنفاق الدفاعي والأمني الضخم منذ أن بدأت روسيا حملتها العسكرية في أوكرانيا في فبراير 2022 .
- وبحسب حسابات رويترز، فإن سعر نفط الأورال الروسي سيحتاج إلى الارتفاع بأكثر من 50 بالمئة من 3582 روبل (46.13 دولاراً) للبرميل، وهو السعر الذي تم الوصول إليه في 2 مارس، وذلك لتلبية المستويات المدرجة في الميزانية.
- تفترض ميزانية روسيا لعام 2026 سعراً للنفط يبلغ 5440 روبلًا للبرميل، أو 59 دولارًا، وسعر صرف للروبل يبلغ 92.2 روبلًا للدولار الأميركي.
- وعلى العكس من ذلك، وبافتراض استقرار أسعار النفط، يجب أن ينخفض سعر الروبل إلى 117.5 لكل دولار حتى يتم تحقيق التوازن في الميزانية من حوالي 77.65 حالياً.
مكاسب قصيرة
على الجانب الآخر، يقول الأستاذ بكلية موسكو العليا للاقتصاد، الدكتور رامي القليوبي، لموقع “اقتصاد سكاي نيوز عربية”:
- روسيا ستستفيد اقتصادياً من التطورات الحالية.
- أسعار النفط ارتفعت نتيجة التطورات الحالية، وهو ما قد يشكل عنصر دعم مباشر للاقتصاد الروسي.
- هذه الزيادة في الأسعار قد تسهم -حال استمرارها لفترة طويلة- في خفض عجز الموازنة الروسية مقارنة بالعام الماضي، في ظل اعتماد المالية العامة الروسية بشكل أساسي على عائدات الطاقة.
ويوضح أنه ربما يكون من الصعب فرض عقوبات جديدة مؤثرة على موسكو في المرحلة المقبلة، ما يعزز من موقعها التفاوضي على الساحة الدولية.
وفي المقابل، يشدد القليوبي على أن الاستفادة قصيرة الأجل لا تعني أن الزيادات في الأسعار تصب دائماً في مصلحة المنتجين على المدى الطويل، لافتاً إلى أن تجارب سابقة أثبتت أن الارتفاعات الكبيرة إن حدثت غالباً ما يعقبها هبوط حاد.
وينبه إلى أن مصلحة روسيا وكبار المنتجين تكمن في الحفاظ على استقرار السوق وتحقيق توازن مستدام، بدلًا من السعي وراء مكاسب فورية قد تعقبها تقلبات حادة في الأسعار.

