يُقدَّم الشاي قبل أي شيء آخر.
اعلان
اعلان
في أذربيجان لا يُقدَّم “تشاي” كمجرد شراب منعش، بل كإطار ينظّم الحياة الاجتماعية.
ويعزو السكان المحليون إليه حضور معظم محطات حياتهم؛ فهو يسبق الحديث، ويُرسّي المفاوضات، ويخفّف وطأة الحزن، ويُطيل الجلسات حتى وقت متأخر من المساء، حتى إن الجلوس إلى مائدة من دون شاي يُعدّ أمرا غير مألوف.
يُسكب الشاي من إبريق نحيل يسمّى “أرمودو” في كأسه الزجاجية المميّزة ذات الشكل الكمثري.
خصره الضيّق وقاعدته المستديرة ليسا للزينة بل لأسباب عملية؛ فالشكل يحافظ على حرارة الشاي مدة أطول، إذ يركّز الدفء في الأسفل بينما يتيح لحافة الكأس أن تبرد قليلا بما يكفي لارتشاف متواصل. وتستقر الكأس بسهولة بين الأصابع.
ثم يأتي دور المربى.
تُقدَّم المربيات في أطباق صغيرة، غالبا من الكريستال، تتلألأ مثل زجاج ملوّن، وتبدو بالغة الدقة في طريقة تقطيع الفاكهة وتشكيلها.
وتظلّ حبات الفراولة وشرائح الكمثرى والمشمش وجوز عين الجمل محتفظة ببنيتها من دون أن تذوب، في مشهد يثير الدهشة لمن لم يعتد هذا النوع من الحفظ.
ومع ذلك فليس هذا مربى يُفرد على الخبز؛ ففي أذربيجان لا يُحرَّك داخل الشاي ولا يُدهن على الشرائح. بدلا من ذلك تُتذوَّق ملعقة صغيرة منه أولا، ثم تُتبع برشفة من الشاي الساخن، حيث تلتقي الحلاوة بالمرارة في توازن مقصود.
“كوربان سايد” مطعم عائلي، وبعض أنواع المربى التي يقدّمها تُحضَّر في المنزل.
توضح المالكة سابينا أولوخانوفا أن الوصفات بقيت في معظمها على حالها؛ الفاكهة تُحضَّر بعناية، والسكر يُقاس بالحدس لا بالميزان، والتوقيت يُحسَب بالخبرة لا بالساعة.
وتقول أولوخانوفا: “والدي أيضا يحب أن يقوم بذلك في أوقات فراغه”.
وتضيف: “على سبيل المثال، المربى المصنوع من الزيتون يستغرق وقتا أطول مما لو صنعته من الفراولة. إنّه… عملية، عملية ممتعة جدا”.
وتتابع: “تحتاج إلى وقت فراغ… في هذه الأيام لم يعد لدينا وقت لذلك، وفقط إذا كنت متقاعدا يمكنك تخصيص هذا الوقت”.
وعن المدة التي يتطلبها إعداد مربى الفراولة تقول أولوخانوفا: “تقوم به على خطوتين أو ثلاث خطوات… مرحلة أولى، ثم تقوم بخطوة أخرى في المرة التالية، في اليوم التالي… يستغرق الأمر ثلاثة أيام قبل أن تحصل على هذه النتيجة”.
في منطقة تتداخل فيها التقاليد الغذائية بين الحدود، ليس الشاي المحلّى أمرا فريدا؛ ففي إيران تذوب حبات السكر ببطء بين الرشفات، وفي تركيا يصل الشاي مصحوبا بالمعجنات وموائد الإفطار، وفي أجزاء من روسيا ترافق مربيات الفاكهة، أو “فارينيه”، جلسات الحديث المطوّلة.
لكن في أذربيجان يكون الترتيب محددا بدقة؛ فالمربى يُقدَّم منفصلا، لا يُخلط في الشاي، ويُتذوَّق وحده قبل أن يتبعه الشراب. قد يبدو الفرق طفيفا، لكنه يغيّر التجربة؛ فالحلاوة هنا مُتحكَّم فيها وليست مذابة بالكامل.
يُقدَّم الشاي هنا قبل الوجبات وبعدها، أثناء المناقشات التجارية والزيارات الودية، وفي حفلات الزفاف كما في الجنازات؛ الكأس نفسها، والإيقاع نفسه، يعبُران الأجيال صغارا وكبارا على السواء.
وتشرح أولوخانوفا: “إنه نوع من التأمل بعد يوم طويل، عندما تعود إلى المنزل أو تلتقي أصدقاءك في مقهى أو بيت شاي، وتمنح نفسك هذا الوقت مع الشاي والمربى”.
وتضيف: “لا تحتاج إلى أي كعكة أو شيء إضافي؛ يكفيك الشاي والمربى، ومعهما أصدقاؤك أو عائلتك، ثم يصبح كل شيء على ما يرام”.
وتتابع: “إنه شعور مهدّئ بالفعل؛ فمجرد أن يكون لديك شاي مع المربى، وهي عادة متجذّرة لدينا، يجعلني شخصيا أشعر مباشرة بأن كل شيء سيكون على ما يرام”.
ويتطلّب إعداد المربى نفسه عملا شاقا وكثيرا من الصبر؛ فمربى الجوز، على وجه الخصوص، يحتاج إلى وقت وعناية، إذ تُعالَج الثمار مرارا قبل أن تكتسب قوامها ونكهتها المميّزين.
ويشكّل الجمال البصري لهذه المربيات جزءا من سحرها؛ فعلى عكس المنتجات التجارية القابلة للدهن، تبقى حبات الفاكهة متماسكة، فبنية الفراولة مهمة، وانحناءة الكمثرى محفوظة.
وعبر الثقافات لطالما مثّل الشاي علامة على الضيافة والنظام الاجتماعي، لكن هنا، على هذه المائدة، في هذه الكأس، لا تُستعجل الحلاوة ولا تُخفَّف؛ بل تُقاس وتُتذوَّق ثم تتبعها حرارة الشاي.
إنه مربى الفراولة مع الشاي، ليس مجرّد نكهة، بل جزء أصيل من الملامح الثقافية لأذربيجان.

