كتبت – دعاء سمير : أظهرت أحدث بيانات البنك المركزي المصري تحسنًا ملحوظًا في مؤشرات القطاع الخارجي خلال الأشهر التسعة الأولى من العام المالي 2025/2026، مدفوعًا بانخفاض قيمة أقساط الديون الخارجية المستحقة، وارتفاع التدفقات الرأسمالية والاستثمارات الأجنبية المباشرة، وهو ما أسهم في تقليص العجز الكلي في ميزان المدفوعات، رغم استمرار تداعيات التوترات الجيوسياسية الإقليمية على حركة الاستثمارات المالية العالمية.
وكشف تقرير ميزان المدفوعات الصادر عن البنك المركزي المصري أن مصر سددت نحو 5.5 مليار دولار أقساط قروض متوسطة وطويلة الأجل خلال الفترة من يوليو 2025 وحتى مارس 2026، مقارنة بنحو 10.1 مليار دولار خلال الفترة نفسها من العام المالي السابق، بما يعكس انخفاضًا ملحوظًا في أعباء خدمة الدين الخارجي، ويمنح الاقتصاد مساحة أكبر لتوجيه الموارد نحو دعم النمو والاستثمار.
ويشير هذا التطور إلى تحسن إدارة الالتزامات الخارجية، في ظل استمرار الدولة في تنفيذ استراتيجية تستهدف إطالة آجال الاستحقاق، وتنويع مصادر التمويل، وخفض الضغوط المرتبطة بخدمة الدين، بما يدعم استدامة المالية العامة ويعزز ثقة المؤسسات الدولية والمستثمرين في الاقتصاد المصري.
وفي المقابل، سجلت القروض والتسهيلات متوسطة وطويلة الأجل صافي استخدام بلغ نحو 2.7 مليار دولار خلال أول تسعة أشهر من العام المالي 2025/2026، مقارنة بصافي سداد بلغ 2.6 مليار دولار خلال الفترة المناظرة من العام السابق، وهو ما يعكس قدرة الدولة على الحصول على تمويلات جديدة لدعم المشروعات التنموية والاستثمارية.
كما ارتفع إجمالي القروض والتسهيلات المستخدمة إلى نحو 8.2 مليار دولار، مقابل 7.5 مليار دولار خلال الفترة نفسها من العام المالي الماضي، بما يؤكد استمرار تدفق التمويلات الموجهة للمشروعات ذات الأولوية، خاصة في مجالات البنية التحتية والطاقة والتنمية العمرانية.
وفي الوقت نفسه، أظهر تقرير البنك المركزي تحسنًا في أداء ميزان المدفوعات، حيث تراجع العجز الكلي ليبلغ نحو 1.8 مليار دولار خلال الفترة من يوليو إلى مارس، مقارنة بنحو 1.9 مليار دولار خلال الفترة نفسها من العام المالي السابق، وهو ما يعكس تحسنًا تدريجيًا في قدرة الاقتصاد المصري على تحقيق التوازن بين موارده والتزاماته الخارجية.
وأوضح البنك المركزي أن هذا الأداء جاء مدعومًا بارتفاع صافي التدفقات الداخلة للمعاملات الرأسمالية والمالية، والتي سجلت نحو 9.9 مليار دولار خلال أول تسعة أشهر من العام المالي الجاري، وهو ما ساهم في دعم الاحتياطيات من النقد الأجنبي وتعزيز الاستقرار المالي.
وجاء الاستثمار الأجنبي المباشر في مقدمة مصادر التدفقات الرأسمالية، بعدما سجل صافي تدفقات داخلة بلغ نحو 13 مليار دولار خلال الفترة، في مؤشر يعكس استمرار جاذبية السوق المصرية للمستثمرين، رغم التحديات الاقتصادية العالمية.
وأشار البنك المركزي إلى أن هذه التدفقات تضمنت نحو 3.5 مليار دولار دخلت خلال الفترة من أكتوبر إلى ديسمبر 2025، في إطار تنفيذ صفقة تطوير منطقة علم الروم، التي تعد واحدة من أبرز المشروعات الاستثمارية الكبرى الهادفة إلى تنمية الساحل الشمالي الغربي وتعزيز مساهمة القطاع العقاري والسياحي في الاقتصاد الوطني.
ويرى محللون اقتصاديون أن استمرار تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر يؤكد ثقة المستثمرين في الإصلاحات الاقتصادية التي تنفذها الدولة، إلى جانب التوسع في المشروعات القومية، وتحسين مناخ الاستثمار، وتقديم حوافز جديدة للقطاع الخاص، بما يسهم في خلق فرص عمل وزيادة معدلات النمو.
وفي المقابل، لم تخلُ الصورة من بعض التحديات، إذ سجلت استثمارات محفظة الأوراق المالية صافي تدفقات خارجة بلغ نحو 4.4 مليار دولار خلال الفترة، متأثرة بحالة عدم اليقين التي شهدتها الأسواق العالمية نتيجة التطورات الإقليمية واندلاع الصراع في المنطقة خلال الفترة من يناير إلى مارس 2026، وهو ما دفع بعض المستثمرين الأجانب إلى إعادة توجيه استثماراتهم نحو أدوات مالية أقل مخاطرة.
ويؤكد خبراء الاقتصاد أن خروج جزء من استثمارات المحافظ المالية يعد ظاهرة معتادة خلال فترات الاضطرابات الجيوسياسية، نظراً لطبيعتها سريعة الحركة، بينما تظل الاستثمارات الأجنبية المباشرة أكثر استقرارًا، لارتباطها بمشروعات إنتاجية طويلة الأجل يصعب التخارج منها في المدى القصير.
وتشير المؤشرات إلى أن الاقتصاد المصري يواصل تعزيز قدرته على مواجهة التحديات الخارجية، مستفيدًا من تنوع مصادر النقد الأجنبي، وارتفاع إيرادات السياحة، وزيادة تحويلات المصريين العاملين بالخارج، إلى جانب استمرار تدفق الاستثمارات الأجنبية المباشرة، وهو ما انعكس على تحسن أداء ميزان المدفوعات وتراجع أعباء خدمة الدين الخارجي.
ويرى مراقبون أن الحفاظ على هذا المسار الإيجابي يتطلب مواصلة الإصلاحات الاقتصادية، وتعزيز دور القطاع الخاص، وزيادة تنافسية الصادرات، واستقطاب المزيد من الاستثمارات الإنتاجية، بما يضمن تحقيق نمو اقتصادي مستدام، ويرفع قدرة الاقتصاد المصري على التعامل مع المتغيرات الإقليمية والدولية، مع الحفاظ على الاستقرار النقدي والمالي خلال المرحلة المقبلة.
إقرأ أيضاً :

