كتبت – مروة السيد : واصلت قناة السويس تأكيد مكانتها كأحد أهم شرايين التجارة العالمية وأبرز مصادر النقد الأجنبي للاقتصاد المصري، بعدما سجلت إيرادات رسوم العبور نموًا ملحوظًا خلال الأشهر التسعة الأولى من العام المالي 2025/2026، مدفوعة بزيادة أعداد السفن العابرة وارتفاع الحمولات الصافية، في مؤشر يعكس تعافي حركة الملاحة عبر المجرى الملاحي العالمي رغم استمرار التحديات الجيوسياسية التي يشهدها العالم.
وكشف تقرير ميزان المدفوعات الصادر عن البنك المركزي المصري عن ارتفاع إيرادات رسوم المرور بقناة السويس بنسبة 22% خلال الفترة من يوليو إلى مارس من العام المالي 2025/2026، لتصل إلى نحو 3.2 مليار دولار، مقارنة بنحو 2.6 مليار دولار خلال الفترة نفسها من العام المالي السابق، وهو ما يعكس تحسنًا ملموسًا في أداء القناة ودورها المحوري في دعم موارد الدولة من العملات الأجنبية.
ويأتي هذا النمو في وقت تشهد فيه حركة التجارة الدولية العديد من التحديات، من بينها التوترات الإقليمية وتقلبات سلاسل الإمداد العالمية، الأمر الذي يؤكد قدرة قناة السويس على الحفاظ على جاذبيتها باعتبارها أقصر وأهم ممر بحري يربط بين الشرق والغرب، ويخدم نسبة كبيرة من حركة التجارة العالمية.
وأوضح تقرير البنك المركزي أن الزيادة في الإيرادات جاءت مدفوعة بارتفاع الحمولة الصافية للسفن العابرة بنسبة 18.5%، لتصل إلى نحو 426.9 مليون طن خلال الأشهر التسعة الأولى من العام المالي الجاري، مقارنة بالفترة المناظرة من العام السابق، وهو ما يعكس زيادة في حجم البضائع المنقولة عبر القناة، وليس فقط في عدد السفن.
كما ارتفع عدد السفن العابرة بنسبة 7.6% ليسجل نحو 10 آلاف سفينة خلال الفترة، في دلالة على تحسن حركة الملاحة الدولية واستعادة جزء من التدفقات التجارية التي تأثرت خلال الفترات الماضية نتيجة الاضطرابات في البحر الأحمر وبعض الممرات البحرية الإقليمية.
ويرى خبراء النقل البحري أن ارتفاع الحمولات بوتيرة أكبر من نمو عدد السفن يشير إلى زيادة استخدام السفن العملاقة وناقلات البضائع ذات الأحجام الكبيرة، وهو ما ينعكس بصورة مباشرة على ارتفاع متوسط رسوم العبور وزيادة العائد الاقتصادي للقناة.
ويؤكد محللون اقتصاديون أن الأداء الإيجابي لقناة السويس يمثل أحد أبرز عوامل دعم الاقتصاد المصري خلال العام المالي الجاري، خاصة أنها تعد إلى جانب السياحة، وتحويلات المصريين العاملين بالخارج، والاستثمار الأجنبي المباشر، من أهم مصادر النقد الأجنبي التي تعتمد عليها الدولة في تعزيز احتياطياتها من العملات الأجنبية.
وأشار البنك المركزي إلى أن تحسن إيرادات قناة السويس تزامن مع تحسن أداء معاملات الاقتصاد المصري مع العالم الخارجي، حيث تراجع العجز الكلي في ميزان المدفوعات خلال الفترة من يوليو إلى مارس من العام المالي 2025/2026 ليقتصر على نحو 1.8 مليار دولار، مقارنة بنحو 1.9 مليار دولار خلال الفترة نفسها من العام المالي السابق، وهو ما يعكس تحسنًا تدريجيًا في المؤشرات الخارجية للاقتصاد المصري.
ويؤكد خبراء الاقتصاد أن زيادة إيرادات القناة تسهم في دعم استقرار سوق النقد الأجنبي، وتعزيز قدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها الخارجية، فضلاً عن توفير موارد إضافية لتمويل خطط التنمية والمشروعات القومية، في ظل استمرار الإصلاحات الاقتصادية التي تستهدف تحقيق نمو أكثر استدامة.
كما يعكس هذا الأداء نجاح السياسات الرامية إلى تعزيز تنافسية قناة السويس، سواء من خلال تطوير المجرى الملاحي، أو تحديث الخدمات اللوجستية والبحرية، أو تحسين كفاءة التشغيل، بما يضمن استمرار القناة في استقطاب الخطوط الملاحية العالمية رغم المنافسة المتزايدة من بعض المسارات البديلة.
ويرى متخصصون في النقل البحري أن استمرار تعافي حركة الملاحة مرهون باستقرار الأوضاع الجيوسياسية في المنطقة، خاصة في البحر الأحمر ومضيق باب المندب، اللذين يؤثران بصورة مباشرة على قرارات شركات الشحن العالمية بشأن مسارات سفنها، مؤكدين أن أي تحسن في البيئة الأمنية سيمنح قناة السويس فرصة لتحقيق معدلات نمو أكبر في الإيرادات وحركة العبور خلال الفترة المقبلة.
وتشير المؤشرات الحالية إلى أن قناة السويس استعادت جزءًا مهمًا من زخمها، مستفيدة من عودة حركة التجارة العالمية تدريجيًا، وارتفاع الطلب على النقل البحري، وهو ما يعزز مكانتها كواحدة من أهم الممرات الملاحية في العالم، وركيزة أساسية في دعم الاقتصاد المصري.
ومع استمرار الدولة في تنفيذ خطط تطوير المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، وتوسيع الخدمات اللوجستية والصناعية المرتبطة بالمجرى الملاحي، يتوقع خبراء الاقتصاد أن يتجاوز دور القناة مستقبلاً مجرد تحصيل رسوم العبور، ليتحول إلى مركز عالمي للتجارة والصناعة والخدمات البحرية، بما يعظم العائد الاقتصادي، ويعزز مساهمة القناة في تحقيق أهداف التنمية المستدامة وزيادة موارد النقد الأجنبي للدولة.
إقرأ أيضاً :

