في وقت اختلط فيه صوت الانفجارات بأنغام الحياة، قدّم فرع صيدا من المعهد الوطني العالي للموسيقى نموذجًا إنسانيًا لافتًا تحت عنوان “البيانو في زمن الحرب”، إذ تحوّل العزف إلى فعل صمود ورسالة أمل تتحدى القصف والخراب.
فخلال شهري آذار ونيسان، وبينما كانت مدينة صيدا وضواحيها تعيش على وقع الغارات الإسرائيلية، واصل طلاب الكونسرفتوار تدريباتهم داخل الفرع، متمسكين بالموسيقى كمساحة أخيرة للسكينة. وجاء الحفل الذي نُظم بدعوة من رئيسة الكونسرفتوار الوطني الدكتورة هبة القواس، وبإشراف الدكتورة ميرا زنتوت، ليجسد هذا الإصرار في عرض موسيقي حمل أبعادًا إنسانية تتجاوز الفن إلى المقاومة الثقافية.
ورغم الظروف الأمنية الصعبة، أبقت المؤسسة أبوابها مفتوحة في فرع صيدا، في محاولة لدعم الطلاب نفسيًا وأكاديميًا، وتحويل الموسيقى إلى وسيلة توازن داخلي في مواجهة القلق اليومي. وقد بدا واضحًا أن التجربة لم تكن تعليمية فقط، بل شكلت مساحة لبناء إرادة تتشبث بالجمال رغم العنف المحيط.
الحفل الذي شارك فيه سبعة طلاب برفقة عائلاتهم، عكس قصة إصرار لافتة، حيث واصلوا الوصول إلى المعهد رغم الطرقات الخطرة وأصوات القصف. وافتتحت التلميذة لامار أرقادان الأمسية بالنشيد الوطني اللبناني ومقطوعة “موطني”، قبل أن تقدم لاحقًا عزفًا منفردًا لمقطوعة “River Flows in You”. وتوالت العروض مع الشقيقتين كلاريتا وفيرونيكا حليحل في أداء ثنائي، إلى جانب عزف أمير صالح لمقطوعة “Clementi Sonatine No.1” ومشاركاته الجماعية، إضافة إلى أداء تيريزا حليحل لمقطوعة لموزارت، وعزف مشترك للشقيقتين آية ويارا ديراني.
الحفل، الذي جاء تحت شعار أن “صوت البيانو كان أعلى من الحرب”، قدّم صورة مختلفة عن الواقع، حيث تتحول الموسيقى إلى مساحة ولادة للنور وسط العتمة. وقد عكس، بحسب القائمين عليه، رؤية تربوية تؤمن بأن الفن ليس ترفًا، بل وسيلة لصناعة الحياة حتى في أقسى الظروف.
وفي خلفية هذا المشهد، برز دور الدكتورة ميرا زنتوت في مرافقة الطلاب وتشجيعهم على الاستمرار، ليخرجوا من التجربة ليس فقط كعازفين، بل كأفراد قادرين على تحويل الخوف إلى إبداع، والواقع القاسي إلى فرصة لصناعة الأمل.

