انتخب البرلمان المجري يوم الثلاثاء رئيس المحكمة العليا السابق أندراس باكا رئيساً للجمهورية، في خطوة يأمل مراقبون أن تعزز الثقة بمسار الإصلاحات الرامية إلى إعادة إرساء سيادة القانون في البلاد.
اعلان
اعلان
وحصل باكا، مرشح حزب “تيسا” الحاكم الذي يملك أغلبية الثلثين في البرلمان، على 140 صوتاً مقابل ستة أصوات معارضة، من دون أي امتناع عن التصويت.
وسيتولى الرئيس الجديد، البالغ من العمر 73 عاماً، مهامه رسمياً في 19 أغسطس المقبل.
وفي خطابه الأول أمام البرلمان، قال باكا إن “هذه الأمة خسرت ما يعادل جيلاً كاملاً، إذ تراجعت من كونها نموذجاً يحتذى به في التحول الديموقراطي إلى مصاف الدول المتخلفة في أوروبا”، مضيفاً: “هناك أمر واحد مؤكد: لا يمكننا بناء المجر الجديدة على الانتقام”.
ومن دون تسمية أحزاب أو قادة، تحدث الرئيس المنتخب عن مظاهر الظلم السياسي والاقتصادي والانقسام العميق في المجتمع المجري، داعياً إلى التحقيق في المخالفات القانونية ومحاسبة مرتكبيها عبر إجراءات قضائية سليمة ومشروعة.
وشدّد على أن رئيس الجمهورية يجب أن يمثّل التنوع، وأن يضمن حق عرض المواقف المتعارضة من دون اللجوء إلى حسم الخلافات بالقوة. وذكّر بأن فترات سابقة شهدت حكماً بالمراسيم متجاوزاً للبرلمان، ما أدى إلى تعطيل آليات الرقابة والتوازن، مؤكداً ضرورة عدم تكرار ذلك.
كما أشار إلى أن استقرار أي دستور ينبع من قبول المجتمع له، داعياً إلى نقاش مجتمعي ومهني واسع لتحديد حدود السلطة العامة. وختم خطابه بالقول: “إن الدولة ليست موجودة من أجل نفسها، بل من أجل الإنسان”.
ترشيح بعد رفض بطلة الشطرنج
وكان رئيس الوزراء بيتر ماغيار قد عرض منصب رئاسة الجمهورية على بطلة الشطرنج جوديت بولغار، إلا أنها رفضت الترشح.
وبعد تشاور حزب “تيسا” مع أكثر من عشرة مرشحين محتملين، اختار الحزب باكا من بين ثلاثة أسماء عبر اقتراع سري.
ووصف ماغيار، عبر فيسبوك، القاضي السابق بأنه “جدير بأن يجسّد وحدة الأمة”، وأن مسيرته “مثال يُحتذى به في الالتزام بسيادة القانون”.
في المقابل، قاطع حزب “فيدس” بزعامة أوربان عملية التصويت، معتبراً إياها “غير قانونية”، وذلك بعدما أنهت الأغلبية الجديدة، خلال الشهر الماضي، ولاية الرئيس السابق تاماش سوليوك قبل انتهاء مدتها.
وكرّر الحزب موقفه هذا قبيل التصويت وبعده، مؤكداً أنه لا يزال يعتبر سوليوك رئيساً شرعياً للدولة وأنه سيعيد هذا القرار متى استعاد السلطة، وإن ظل هذا الموقف ذا طابع سياسي ورمزي أكثر منه أثراً عملياً مباشراً.
نهاية ولاية سوليوك
وفي خطاب النصر الذي ألقاه مساء يوم الانتخابات في 12 أبريل الماضي، أعلن ماغيار عزمه إقالة كبار مسؤولي الدولة الذين عيّنتهم الحكومة السابقة، وفي مقدمتهم سوليوك.
ومنحت حكومة “تيسا” هؤلاء المسؤولين مهلة 30 يوماً لتقديم استقالاتهم طوعاً، إلا أن سوليوك رفض ذلك.
وفي نهاية المطاف، وأقرّت الأغلبية البرلمانية تعديلاً على القانون الأساسي أضاف نصاً يقضي بإنهاء ولاية رئيس الجمهورية، ووقّع سوليوك على هذا القانون بعد أيام قليلة من إقراره في البرلمان، لتنتهي بذلك ولايته.
وبحسب ماغيار، من المتوقع أن يتولى الرئيس الجديد المنصب لفترة من ولايته فقط، ريثما تنتهي عملية إعادة صياغة الدستور، المتوقع أن تستغرق ما بين عام وعام ونصف العام.
ووعد رئيس الوزراء بإطلاق مشاورات حول هذا الملف الشهر المقبل.
مسيرة قضائية انتهت بإقالته من رئاسة المحكمة العليا
وعمل باكا قاضياً في المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان بين عامي 1991 و2008، بعد أن انتُخب نائباً عن حزب الجبهة الديموقراطية المحافظ في عام 1990.
وتولى لاحقاً رئاسة المحكمة العليا المجرية، قبل أن يُقال منها بشكل مفاجئ عام 2012، إثر معارضته خفض سن التقاعد الإلزامي للقضاة من 70 إلى 62 عاماً، معتبراً هذه الخطوة عملية “تطهير مقنّعة” للسلطة القضائية.
وبعد أربع سنوات، خلصت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان بأن إقالته كانت ذات دوافع سياسية. وقد انتقدت منظمات غير حكومية، من بينها هيومن رايتس ووتش، تلك الإقالة، معتبرة أنها استندت إلى أساليب مشابهة لتلك التي استخدمها رئيس الوزراء السابق فيكتور أوربان لإعادة تشكيل المؤسسات المجرية.
وقال باكا لوكالة فرانس برس الشهر الماضي إن هذه الخطوة ما كان ينبغي أن تحدث “في بلد يحكمه القانون”، مضيفاً أن المجر أصبحت في عهد أوربان “دولة أسيرة”.
وفي تعليق على تولي باكا، اعتبر المحلل بولكسو زيغا، من مركز التحليل السياسي العادل، أن باكا “بذل كل ما في وسعه لإثبات أن ما حدث معه يخالف القانون الأوروبي”.
وأضاف أن عودته إلى الواجهة تحمل رسالة واضحة إلى شركاء المجر الأوروبيين، وتبعث في الوقت نفسه على الاطمئنان إلى أن مسار استعادة الديمقراطية الليبرالية سيكون واضحاً ومحدداً.

