فالنيران التي طالت منشآت النفط والكهرباء في الغرب تزامنت مع اغتيال مدير إدارة الاستخبارات العسكرية، اللواء فوزي المنصوري، في بنغازي شرقي البلاد، فيما دخل مصرف ليبيا المركزي على خط الأزمة، مع طلب محافظه ناجي عيسى إعفاءه من منصبه.
ويفتح تزامن التطورات الثلاثة الباب أمام تساؤلات بشأن دخول ليبيا مرحلة جديدة من الصراع على النفوذ، تُستخدم فيها المنشآت الحيوية والمؤسسات السيادية والمسؤولون الأمنيون والاقتصاديون أدوات للضغط.
ويجمع المشهد الراهن بين مسار أمني عنوانه الاغتيالات واستهداف المنشآت، ومسار اقتصادي يتمحور حول النفط والكهرباء والمصرف المركزي، وآخر سياسي يرتبط بترتيبات المرحلة الانتقالية المقبلة، ومن يشارك فيها ويمتلك أدوات التأثير عليها.
ورغم عدم وجود أدلة رسمية تثبت أن جهة واحدة تقف خلف هذه التطورات، فإن تزامنها يجعل من الصعب، وفق مراقبين، فصل كل واقعة عن السياق العام.
الزاوية.. من النفط إلى الكهرباء
تعرضت منشآت حيوية في الزاوية خلال أيام لسلسلة من الهجمات، بدأت بخزانات ومرافق نفطية قبل أن تمتد إلى منشآت الكهرباء، من دون أن تعلن السلطات رسميا هوية المنفذين أو أهدافهم.
وأعلنت الشركة العامة للكهرباء، الأربعاء، استهداف محطة التحويل 30/11 كيلوفولت جنوبي الزاوية، مما أدى إلى احتراقها بالكامل وخروجها من الخدمة وانقطاع الكهرباء عن مناطق واسعة.
كما أفادت بتعرض مرافق في محطة إنتاج كهرباء الزاوية للاستهداف، محذرة من تداعيات قد تطال استقرار الشبكة في مناطق أخرى.
وتكمن خطورة التصعيد في أن الزاوية ليست مجرد ساحة اشتباك محلية، إذ تضم مصفاة نفط ومنشآت لتخزين الوقود وتوزيعه ومحطة لإنتاج الكهرباء، فضلا عن موقعها على طرق حيوية في غرب ليبيا.
ومن ثم، قد يؤدي استهداف منشأة واحدة إلى تعطيل الإنتاج والتخزين، وإرباك توزيع الوقود والكهرباء، ورفع تكاليف الصيانة والتأمين.
وكانت هجمات سابقة على خزانات الوقود في مصفاة الزاوية قد أثارت مخاوف بشأن سلامة المنشأة واستمرار عملياتها، فيما تابعت المؤسسة الوطنية للنفط الأضرار التي لحقت بحظيرة الخزانات.
ويشير تكرار الهجمات إلى أن منشآت الطاقة لم تعد مجرد ضحية جانبية للصراع، بل باتت في قلب معادلة النفوذ.
صراع على الامتيازات
يربط أستاذ العلوم السياسية الليبي عبد الوهاب الحار ما يجري في الزاوية بـ”صراع الميليشيات على الامتيازات”، معتبرا أن التصعيد بلغ مستوى غير مسبوق.
وقال الحار إن أطرافا فقدت السيطرة على مواقع مؤثرة في مصفاة الزاوية باتت تتعامل بمنطق “عليّ وعلى أعدائي”، حتى لو أدى ذلك إلى الإضرار بالنفط والمصفاة والمنشآت الحيوية.
وأضاف أن الصراع دخل مرحلة “كسر العظم”، وأن بعض الأطراف تستخدم أدوات أكثر خطورة للبقاء داخل دائرة النفوذ وعدم الخروج من معادلة السلطة والامتيازات.
وتعكس هذه القراءة طبيعة الصراع في غرب ليبيا، حيث لا ترتبط القوة بالسيطرة العسكرية على الأحياء والمقار فحسب، بل بالقدرة على التحكم في الموارد والمنشآت التي توفر الوقود والكهرباء ومصادر الدخل.
لماذا المسيّرات؟
يسمح استخدام الطائرات المسيّرة باستهداف منشآت محددة من دون خوض مواجهة مباشرة حولها، كما يزيد صعوبة تحديد الجهة المنفذة، خصوصا مع غياب إعلان المسؤولية.
ويرى الحار أن المسيّرات أصبحت أكثر توافرا وأسهل استخداما، كما تمنح مستخدميها قدرة أكبر على الوصول إلى أهداف بعينها، وهو ما يفسر، وفق تقديره، تزايد الاعتماد عليها مع احتدام صراع المجموعات المسلحة.
وأضاف أن استمرار العمليات قد يؤدي إلى إقصاء بعض المجموعات من دائرة الامتيازات والنفوذ، في تكرار لنمط شهدته ليبيا سابقا، حين كانت المواجهات تنتهي بتغلب مجموعة على أخرى.
ومع تكرار الهجمات بالطريقة نفسها، لا يقتصر السؤال على هوية المنفذين، بل يمتد إلى الجهات التي تمتلك المسيّرات والقدرة التقنية على تشغيلها.
النفط ورقة ضغط
يقدم المحلل السياسي الليبي خالد الشارف قراءة أخرى، مفادها أن الهدف قد لا يكون تدمير مصفاة الزاوية، بقدر ما هو إثبات القدرة على التحكم في شريان اقتصادي حيوي.
وقال الشارف لموقع “سكاي نيوز عربية” إن النفط تحول من مصدر للدولة إلى ورقة ضغط سياسية، وإن الطرف القادر على تعطيل منشآت الطاقة يكتسب وزنا أكبر على طاولة التفاوض.
وأضاف أن تكرار الضربات الدقيقة بالمسيّرات، بدلا من القصف العشوائي المصاحب للاشتباكات، يوحي بوجود قدرة على اختيار الأهداف النفطية واستهدافها بصورة متكررة.
ويرى الشارف أن المسيّرات المستخدمة ليست متاحة للجميع، وأن الجهات التي تمتلكها قد تكون معروفة لدى أطراف في الدولة، مما يجعل الهجمات أقرب إلى رسائل متبادلة بين المتصارعين.
كما ربط بين الضغط على منشآت الطاقة والصراع على ترتيبات المرحلة المقبلة، مرجحا أن يكون طرف ليبي متضرر من التسوية السياسية الجديدة، ويحاول رفع ثمن مشاركته والحصول على حصة أكبر من النفوذ.
وأشار إلى المبادرة الأميركية التي يرعاها مستشار الرئيس الأميركي للشؤون الأفريقية مسعد بولس، والهادفة إلى جمع سلطات الشرق والغرب ضمن مرحلة انتقالية تقود إلى الانتخابات.
لكن الربط بين الهجمات والمسارات السياسية يظل قراءة تحليلية، في ظل عدم صدور نتائج رسمية للتحقيقات أو إعلان جهة مسؤوليتها.
اغتيال في بنغازي
إذا كانت الزاوية تقدم نموذجا لاستهداف البنية التحتية الاقتصادية، فإن اغتيال مدير إدارة الاستخبارات العسكرية، اللواء فوزي المنصوري، في بنغازي، يضيف بعدا أمنيا شديد الحساسية.
فالعملية استهدفت مسؤولا يشغل موقعا بارزا داخل المؤسسة العسكرية والأمنية، مما يثير تساؤلات بشأن اتساع دائرة الصراع لتشمل مراكز أكثر حساسية.
ولا يفصل رئيس المنظمة الليبية للتنمية السياسية جمال الفلاح بين ما يحدث في الزاوية والتطورات الأخرى التي شهدتها البلاد.
وقال الفلاح لموقع “سكاي نيوز عربية” إن استهداف الوقود والكهرباء في الغرب بالمسيّرات تزامن مع استخدام عبوة ناسفة في اغتيال المنصوري، والضغوط التي انتهت بطلب محافظ مصرف ليبيا المركزي إعفاءه.
واعتبر أن هذا التزامن يشير إلى مرحلة شديدة الحساسية، محذرا من محاولات لخلق فوضى مالية واقتصادية وسياسية وأمنية.
وذهب الفلاح إلى أن أطرافا قد تسعى للضغط على ليبيا من أجل قبول شروط ومبادرات دولية، بحيث يتحول استقرار البلاد إلى ورقة للمقايضة مقابل تنازلات سياسية.
المصرف المركزي.. ضلع ثالث
جاء الحديث عن طلب محافظ مصرف ليبيا المركزي ناجي عيسى إعفاءه من منصبه في توقيت دقيق، بعدما كان يعقد خلال الأسابيع السابقة اجتماعات بشأن الاستقرار النقدي والإصلاحات المالية، وفق البيانات الرسمية للمصرف.
وبذلك يدخل المصرف المركزي، ولو من زاوية مختلفة، ضمن مشهد تتداخل فيه المؤسسات السيادية مع الصراع على إدارة الموارد وترتيبات المرحلة المقبلة.
فالنفط يوفر الإيرادات، والكهرباء تمس الحياة اليومية مباشرة، بينما يمثل المصرف المركزي إحدى أهم أدوات إدارة السيولة والإنفاق وسعر الصرف والاستقرار المالي.
وبين المسيّرات التي تستهدف منشآت الطاقة، والاغتيال الذي طال مسؤولا أمنيا بارزا، والاضطراب داخل المصرف المركزي، تبدو ليبيا أمام موجة جديدة من الضغوط المتزامنة، من دون أن تتضح بعد الجهة التي ستستفيد منها أو المسار الذي ستقود إليه.

