أثار اعتداء مستوطنين إسرائيليين ملثمين على وفد دبلوماسي أوروبي في قرية الطيبة بالضفة الغربية، موجة غضب وإدانات دولية، بعدما تعرض رئيس بلدية فرنسي للضرب وتضررت مركبة تابعة للقنصلية البلجيكية.
اعلان
اعلان
وتفاقمت ردود الفعل إثر تشكيك رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في ملابسات الهجوم، رغم إدانة الجيش الإسرائيلي ووزير الخارجية للحادثة، فيما طالبت فرنسا بمحاسبة المعتدين.
وجاء الاعتداء بعد يوم واحد من إصابة مصوّرة “واشنطن بوست” هايدي ليفين في هجوم للمستوطنين، ما أعاد تسليط الضوء على تصاعد العنف في الضفة الغربية ومخاوف من استمرار إفلات مرتكبيه من العقاب.
نتنياهو يشكك في الاعتداء رغم إدانة الجيش الإسرائيلي
في رد على الحادثة، دعا رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى التريث قبل استخلاص النتائج، زاعمًا عدم وجود “أدلة دامغة” تثبت ملابسات الاعتداء على الدبلوماسيين الأوروبيين.
وقال مكتبه إن الوفد دخل منطقة حساسة تشهد مواجهات من دون تنسيق مسبق مع الجيش الإسرائيلي، مضيفًا أن الصور المتداولة لا تكفي وحدها لإثبات التسلسل الكامل للأحداث أو تحديد المسؤولية الفردية. وأشار إلى أن الشرطة الإسرائيلية فتحت تحقيقًا في الحادثة.
كما ألمح مكتب نتنياهو إلى احتمال أن تكون التقارير عن الاعتداء جزءًا من “حملة منسّقة لتشويه سمعة إسرائيل والسكان اليهود في يهودا والسامرة”، مستخدمًا التسمية الإسرائيلية للضفة الغربية.
وجاء موقف نتنياهو رغم إدانة الجيش الإسرائيلي الهجوم، ووصفه المعتدين بأنهم “مثيرو شغب إسرائيليون”، وكذلك إدانة وزير الخارجية جدعون ساعر، الذي قال إن التنسيق المسبق للزيارة كان من شأنه المساعدة في حماية الوفد.
وأفادت صحيفة “هآرتس” بأن غرفة العمليات التابعة للجيش تلقت بلاغات عن تهديدات من مستوطنين متطرفين ونداءات استغاثة من ناشطين قبل وقوع الاعتداء، لكنها لم تتخذ إجراءات فورية لمنعه. وذكر التقرير أن الجيش فتح تحقيقًا لفحص أسباب عدم التحرك في الوقت المناسب.
فرنسا وبلجيكا تطالبان بمحاسبة المعتدين
طالب وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو السلطات الإسرائيلية باعتقال المسؤولين عن الاعتداء وتقديمهم إلى العدالة، ووقف ما وصفه بـ”العنف الإجرامي”، وضمان سلامة السكان المدنيين وفقًا للقانون الدولي.
وقال بارو إن برنار بودو (78 عاما) رئيس بلدية مدينة أولنوا إيمري شمال فرنسا، تعرض لاعتداء عنيف على يد مستوطنين متطرفين، مطالبًا إسرائيل باتخاذ إجراءات عاجلة لوقف هذه الممارسات.
من جهته، أدان وزير الخارجية البلجيكي ماكسيم بريفو الهجوم “بأشد العبارات”، وأعلن أن بلاده ستواصل الضغط من أجل فرض عقوبات من الاتحاد الأوروبي على المسؤولين عن أعمال العنف ومن يدعمونهم.
وقال بريفو إن الفلسطينيين يتعرضون لهذا العنف يوميًا، وإن المستوطنين يستهدفون أيضًا الصحافيين الذين يوثقون الاعتداءات والدبلوماسيين الذين يؤدون مهامهم. وأضاف أن قطاف الزيتون أو نقل الأخبار أو أداء العمل الدبلوماسي يجب ألا يعرّض أحدًا لخطر الهجوم.
وشدد الوزير البلجيكي على أن إسرائيل، بصفتها قوة احتلال، ملزمة بحماية الفلسطينيين وضمان سلامة الدبلوماسيين والصحافيين ومحاسبة المسؤولين عن الاعتداءات، معتبرًا أن إفلات المستوطنين المتورطين في العنف من العقاب يجب أن ينتهي.
بدورها، أعربت وزارة الخارجية البولندية عن غضبها من الهجوم، وطالبت إسرائيل بتقديم توضيحات عاجلة ومفصلة، وتحديد المسؤولين وضمان محاسبتهم، مؤكدة أن الاعتداءات على أعضاء السلك الدبلوماسي “غير مقبولة إطلاقًا”.
واشنطن تطالب إسرائيل بالتصدي لعنف المستوطنين
في الولايات المتحدة، طالب وزير الخارجية ماركو روبيو إسرائيل ببذل مزيد من الجهود لردع اعتداءات المستوطنين في الضفة الغربية.
وقال روبيو للصحافيين إن واشنطن تشعر “بقلق بالغ” إزاء الصور المتداولة وما تكشفه من عنف، مضيفًا أن الإدارة الأميركية طلبت من إسرائيل، ولا تزال تطلب منها، اتخاذ إجراءات حازمة للتصدي لهذه الممارسات.
وجاءت تصريحاته بعد الاعتداء على هايدي ليفين، المصوّرة الصحافية في صحيفة “واشنطن بوست”، التي أصيبت أثناء تغطيتها هجوم مستوطنين على فلسطينيين. وأوضح روبيو أن وزارة الخارجية الأميركية طلبت معلومات بشأن الحادثة، وأنه كان ينتظر تلقي توضيحات من السفارة الأميركية في القدس.
من جانبه، قال سفير واشنطن لدى تل أبيب مايك هاكابي إن ليفين مواطنة أميركية وكانت تحمل بطاقة هوية صحافية، وإنها تعرضت لإصابات خطيرة جراء هجوم وصفه بـ”الوحشي والجبان”.
وطالب هاكابي بإجراء تحقيق كامل واعتقال كل من شارك في الاعتداء ومحاكمته وفق أقصى العقوبات التي ينص عليها القانون، واصفًا الهجوم على مصوّرة صحافية بأنه عمل شائن من أعمال العنف نفذه مهاجمون ملثمون.
شهادة دبلوماسي أوروبي عن اعتداء وقع في “آخر قرية مسيحية” بالضفة المحتلة
نقلت “يديعوت أحرونوت” عن دبلوماسي أوروبي إن سبعة رجال بالغين، تتجاوز أعمارهم العشرين عامًا، هاجموا الوفد، وأن المستوطنين كانوا يحملون العصي والقضبان المعدنية. وأضاف أن المهاجمين ركلوا رئيس البلدية الفرنسي البالغ من العمر 78 عاما وضربوه، قبل أن يهتفوا “تحيا فرنسا” بعدما تعرفوا إلى العلم الذي كان يتوشّح به.
وأوضح أن سكان الطيبة دعوا دبلوماسيين وناشطين من أجل السلام إلى المشاركة في موسم قطاف الزيتون، بهدف إظهار التضامن مع الفلسطينيين ومساعدتهم في ظل الاعتداءات المتكررة. وعندما وصلت أنباء عن اقتراب المستوطنين، حاول أعضاء الوفد المغادرة، لكن مهاجمين ملثمين اندفعوا نحوهم.
ولم يوثّق الهجوم نفسه بالكاميرات، إلا أن صورًا لاحقة أظهرت رئيس البلدية وهو ملقى على الأرض، فيما بدت إحدى نوافذ المركبة التابعة للقنصلية البلجيكية محطمة.
وقال الدبلوماسي إن أعضاء الوفد كانوا مقتنعين بأن الاعتداء منظم ويهدف إلى توجيه رسالة إلى الأوروبيين، وليس مجرد مواجهة عابرة.
“آخر قرية مسيحية” بالضفة المحتلة
وتقع الطيبة في الضفة الغربية، وهي القرية الوحيدة في المنطقة التي ينتمي جميع سكانها إلى الطائفة المسيحية، وفق التقرير. وقد شهدت في السنوات الأخيرة اعتداءات متكررة شملت إحراق مركبات ومنازل فلسطينية، فيما غادرت 15 عائلة القرية والأراضي الفلسطينية منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، بحسب ما أورده موقع واي نت.
وفي يوليو/تموز 2025، أضرم مستوطنون النار في مقبرة ودنّسوا كنيسة في القرية، ما دفع السفير الأميركي مايك هاكابي إلى زيارتها ووصف الحادثة بأنها عمل إرهابي.
لكن الاعتداءات لم تتوقف بعد الزيارة، إذ تواصلت أعمال إحراق المركبات وكتابة عبارات تهديد على الجدران.
تصاعد أعمال العنف خلال موسم قطف الزيتون
وتأتي هذه الاعتداءات في خضم موسم قطف الزيتون السنوي، حيث يواجه المزارعون الفلسطينيون تصاعدًا في عنف المستوطنين أثناء توجههم إلى أراضيهم.
وفي عام 2025، سجّلت الأمم المتحدة 178 اعتداءً نفذه مستوطنون على خلفية موسم قطف الزيتون، طالت 88 بلدة وقرية فلسطينية، وأسفرت عن إصابات وأضرار مادية، فيما تجاوز عدد أشجار الزيتون والأشجار الأخرى والشتلات التي تعرضت للتخريب 6 آلاف.
وخلال موسم هذا العام، وثّقت هيئة مقاومة الجدار والاستيطان الفلسطينية 136 اعتداءً مرتبطًا بقطف الزيتون بين الأول والثاني عشر من أكتوبر/تشرين الأول، بينما رصدت منظمة “يش دين” أكثر من 170 اعتداءً منذ 27 سبتمبر/أيلول. وشملت هذه الهجمات الاعتداء الجسدي على المزارعين، ومنعهم من الوصول إلى أراضيهم، وسرقة المحاصيل وتخريب الأشجار.
ومنذ بداية موسم هذا العام، قُتل ما لا يقل عن أربعة فلسطينيين وأصيب أكثر من 100 آخرين، وفقًا لوزارة الصحة الفلسطينية.

