كتب – أحمد رزق : لم تعد الاكتشافات الأثرية في جبانة الملك مرنرع بمنطقة جنوب سقارة تقتصر على كشف أسرار العمارة الجنائزية ومكانة كبار رجال الدولة في مصر القديمة، بل امتدت لتقدم تفاصيل إنسانية عن الصحة وظروف المعيشة قبل آلاف السنين، بعدما أظهرت الدراسات الأولية للبقايا العظمية الخاصة بـ«وني» أنه عاش أكثر من 50 عامًا، وعانى مشكلات صحية ومؤشرات على التعرض لإجهاد بدني متكرر خلال حياته.
ويمنح هذا الجانب الإنساني الكشف الأثري قيمة إضافية من منظور السياحة الثقافية، إذ يتيح تقديم الحضارة المصرية للزائرين من زاوية مختلفة، لا تقتصر على عظمة المقابر والآثار، وإنما تمتد إلى حياة أصحابها وظروفهم الصحية والمعيشية، بما يثري التجربة السياحية ويعزز جاذبية المواقع الأثرية أمام المهتمين بالتاريخ والعلوم الإنسانية.
وأشار الدكتور عمرو الطيبي إلى أن الدراسات الأولية للبقايا العظمية كشفت أن «وني» توفي بعد تجاوز الخمسين من عمره، كما أظهرت معاناته من أمراض متقدمة بالأسنان والأنسجة المحيطة بها، إلى جانب مؤشرات عظمية تتفق مع تعرضه لإجهاد بدني متكرر.
وتسهم هذه النتائج في رسم صورة أكثر وضوحًا عن طبيعة الحياة خلال عصر الدولة القديمة، وتفتح المجال أمام فهم أعمق للظروف الصحية التي عاشها المصريون القدماء، وكيف يمكن للبقايا البشرية أن تكمل المعلومات التي تقدمها النقوش واللقى الأثرية والعناصر المعمارية.
وتتزايد أهمية الكشف مع استمرار البعثة الأثرية المصرية التابعة للمجلس الأعلى للآثار في إجراء الدراسات الأثرية والمعمارية واللغوية والفنية للعناصر المكتشفة، إلى جانب تحليل السياقات الجنائزية واللقى المرتبطة بها، بهدف تحديد وظائف الوحدات المعمارية المختلفة داخل المصطبة، والتعرف على طبيعة استخدامها خلال مراحلها المتعاقبة.
وجاء ذلك في إطار أعمال الحفائر العلمية بجبانة الملك مرنرع، التي تفقدها شريف فتحي، وزير السياحة والآثار، لمتابعة ما تسفر عنه جهود التنقيب من شواهد جديدة حول تاريخ المنطقة وتطور الحياة الإدارية والدينية والجنائزية في مصر القديمة.
ومن الناحية السياحية، تمثل الاكتشافات التي تجمع بين التاريخ والعمارة والطب القديم فرصة لتطوير محتوى البرامج الثقافية المقدمة للزائرين، وتعزيز قدرة المواقع الأثرية على جذب شرائح متنوعة من السائحين، خصوصًا الباحثين عن تجارب تتجاوز المشاهدة التقليدية للآثار إلى فهم تفاصيل الحياة اليومية في الحضارات القديمة.
كما يمكن أن تسهم النتائج العلمية الجديدة في دعم الحملات الترويجية للمقاصد الأثرية المصرية، من خلال تقديم قصص موثقة تمنح كل موقع خصوصيته، وتساعد على ربطه بمسارات سياحية أكثر ثراءً.
ويأتي الكشف ضمن الجهود الرامية إلى توسيع المعرفة بتاريخ جنوب سقارة، وإبراز ما تختزنه المنطقة من شواهد حضارية، بما يعزز فرص دمج الاكتشافات المؤهلة للزيارة في المنتج السياحي المصري، مع الحفاظ على الأصول الأثرية وإخضاع نتائج الدراسات للتحقق العلمي قبل تقديم استنتاجات نهائية بشأنها.
إقرأ أيضاً :

