كتبت_شيماء رمضان: أجرى شريف فتحي، وزير السياحة والآثار، جولة تفقدية بمنطقة آثار سقارة، لمتابعة أعمال عدد من البعثات الأثرية العاملة بالموقع، والاطلاع على أحدث الاكتشافات التي أسفرت عنها الحفائر، إلى جانب جهود التوثيق والترميم والدراسات العلمية المرتبطة بالمقابر الأثرية.
وشملت الجولة أعمال البعثة التابعة للمعهد التشيكي لعلم المصريات، التي تعمل على إعادة الكشف عن مقابر تعود إلى عصر الدولة القديمة، من بينها مقابر لكبار كهنة الإله بتاح وموظفي الدولة، في إطار مشروع علمي يستهدف استكمال أعمال التنقيب في مواقع كُشف عن أجزاء منها خلال القرن التاسع عشر، قبل أن تغطيها الرمال مجددًا.
وأكد الوزير أهمية مواصلة أعمال البحث والتنقيب وفقًا لأحدث المعايير العلمية، مشيدًا بجهود البعثات المصرية والأجنبية ودورها في الكشف عن جوانب جديدة من الحضارة المصرية القديمة، وتعزيز التعاون البحثي وتبادل الخبرات مع المؤسسات العلمية الدولية.
مقصورة قرابين تظهر للمرة الأولى
ومن أبرز نتائج أعمال البعثة التشيكية الكشف عن مقصورة قرابين خاصة بـ«إيخت نفرت»، زوجة «سابو»، لم يتمكن عالم الآثار الفرنسي أوغست مارييت من العثور عليها خلال حفائره السابقة.
كما كشفت الأعمال عن باب وهمي يحمل مناظر تصور إيخت نفرت برفقة زوجها وابنيهما “بتاح شبسس” و”رع نفر”، بما يضيف تفاصيل جديدة عن الأسرة وعلاقاتها، ويساعد الباحثين على فهم الحياة الاجتماعية والممارسات الجنائزية لدى كبار رجال الدولة خلال عصر الدولة القديمة.
وخلال جولته، استمع الوزير إلى شرح من الدكتور محمد مجاهد، نائب رئيس البعثة، حول نتائج الحفائر والدراسات الأثرية، كما تفقد مقبرتي سابو وابنه بتاح شبسس، وما تضمانه من عناصر معمارية ونقوش ومناظر أثرية.
مقبرة سابو تكشف أسرار العمارة الجنائزية
تبلغ أبعاد مقبرة سابو نحو 54 مترًا طولًا و28 مترًا عرضًا، ويُقدر ارتفاعها الأصلي بنحو خمسة أمتار، وتتميز واجهاتها الخارجية بتصميمات تحاكي واجهات القصور الملكية، في انعكاس للمكانة الرفيعة التي تمتع بها صاحب المقبرة.
وتضم مقصورة القرابين نقوشًا بارزة بحالة جيدة من الحفظ، تصور سابو وابنه بتاح شبسس وهما يشرفان على مواكب حاملي القرابين، وتتميز هذه النقوش بدقة تنفيذها وقيمتها الفنية، ما يجعلها مصدرًا مهمًا لدراسة الفنون والممارسات الدينية في تلك الفترة.
وتسهم هذه العناصر في تقديم صورة أوضح عن تطور العمارة الجنائزية لدى النخبة المصرية القديمة، وعن الأساليب الفنية التي استخدمت لتوثيق مكانة أصحاب المقابر وأدوارهم في المجتمع.
تابوت حجري ورفات داخل مقبرة بتاح شبسس
وفي تطور مهم ضمن أعمال التنقيب، نجحت البعثة في إعادة تحديد موقع مقبرة بتاح شبسس باستخدام صور الأقمار الصناعية والمسح الميداني، وتبين أنها تمتد على مساحة تتجاوز 900 متر مربع، وتضم حجرة للقرابين ومدخلًا مزينًا بنقوش تصور مواكب حاملي القرابين ومشاهد ذبح الأضاحي.
كما أسفرت الحفائر عن الكشف عن حجرة الدفن، التي يمكن الوصول إليها عبر ممر هابط ضخم من الجهة الشرقية، وعُثر بداخلها على تابوت من الحجر الجيري يضم رفات صاحب المقبرة.
وشغل بتاح شبسس مناصب رفيعة خلال عهود أربعة من ملوك الأسرة الخامسة، هم ساحورع، ونفر إير كارع، ورع نفر أف، ونيوسررع، وهو ما يعكس امتداد مسيرته الإدارية خلال فترة مهمة من تاريخ الدولة القديمة.
قصة مسؤول استثنائي في عصر الدولة القديمة
وتشير الدراسات الأثرية إلى أن بتاح شبسس يُعد أول مسؤول من خارج العائلة المالكة يتزوج من أميرة مصرية، وهي الأميرة «خع ماعت»، ابنة الملك أوسركاف، مؤسس الأسرة الخامسة، في دلالة على المكانة الاستثنائية التي وصل إليها داخل الدولة المصرية القديمة.
ورغم تعرض المقبرة للسرقة في العصور القديمة وفقدان الحلي والمقتنيات الثمينة، فإن بقايا موميائه ظلت محفوظة، ما أتاح لفريق من علماء الأنثروبولوجيا المصريين فحصها ودراستها.
وأظهرت نتائج الدراسة أن بتاح شبسس توفي عن عمر تجاوز 60 عامًا، وهو ما يتوافق مع المعلومات الواردة في نقوش سيرته الذاتية، ويُعد عمرًا متقدمًا بمقاييس تلك الحقبة التاريخية.

سقارة تفتح صفحات جديدة من تاريخ مصر
وأوضح الدكتور هشام الليثي، الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، أن أهمية المشروع تكمن في استكمال التنقيب عن مقابر لم تُستكمل أعمال الكشف عنها منذ القرن التاسع عشر، بما يسمح بتوثيقها ودراستها باستخدام تقنيات علمية حديثة.
وكان أوغست مارييت قد كشف، خلال الفترة بين عامي 1858 و1860، عن نحو 160 مقبرة تعود إلى فترات مختلفة من عصر الدولة القديمة، إلا أن الحفائر اقتصرت آنذاك على أجزاء محددة من عدد منها، قبل أن تختفي معالمها مجددًا تحت الرمال.
وتواصل البعثة التشيكية حاليًا أعمال الحفائر والدراسة والترميم، بهدف الكشف عن بقية مقابر الجبانة وتوثيق ما تضمه من نقوش وعناصر معمارية وفنية، بما يضيف معلومات جديدة عن الحياة الدينية والاجتماعية لكبار الكهنة ورجال الدولة في مصر القديمة.
وتعكس هذه الاكتشافات الأهمية الأثرية والسياحية لمنطقة سقارة، التي لا تزال تكشف عن أسرار جديدة من الحضارة المصرية، كما تدعم جهود مصر في تعزيز السياحة الثقافية وإبراز ثراء تراثها الحضاري أمام الزوار والباحثين من مختلف أنحاء العالم.

