كتب – سها ممدوح : لم تعد الخدمات اللوجستية مجرد حلقة داعمة للتجارة، بل أصبحت أحد المحركات الرئيسية لنمو السياحة والاستثمار، في ظل ارتباطها المباشر بكفاءة المطارات والموانئ وسلاسل الإمداد وحركة المسافرين والبضائع. ومع توسع الدولة المصرية في تطوير البنية التحتية للنقل والموانئ، تزداد قدرة القطاع السياحي على المنافسة واستقطاب مزيد من الاستثمارات الدولية.
وكشف مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء أن حجم سوق الشحن والخدمات اللوجستية في مصر بلغ 10.93 مليارات دولار خلال عام 2025، مع توقعات بارتفاعه إلى 14.66 مليار دولار بحلول عام 2031، بمعدل نمو سنوي مركب يبلغ 5.04%، وهو ما يعكس التحول المتسارع لمصر إلى مركز إقليمي للنقل والخدمات اللوجستية.
ويرى خبراء السياحة أن هذا النمو لا يخدم قطاع التجارة فقط، بل يمثل ركيزة أساسية لتحقيق مستهدفات الدولة في الوصول إلى أعداد أكبر من السائحين، إذ تعتمد صناعة السياحة الحديثة على منظومة نقل متطورة، وموانئ ومطارات قادرة على استيعاب الحركة المتزايدة، وشبكات لوجستية تضمن سرعة وكفاءة انتقال الزوار والخدمات.
وتستفيد الفنادق والمنتجعات السياحية بصورة مباشرة من تطور الخدمات اللوجستية، سواء من خلال انتظام سلاسل توريد الأغذية والمستلزمات الفندقية، أو عبر تحسين خدمات النقل السياحي، وتقليص زمن انتقال السائح بين المطارات والمقاصد المختلفة، بما يرفع جودة التجربة السياحية ويعزز رضا الزائر.
وأشار التقرير إلى أن قطاع النقل والتخزين ساهم بنحو 5% من الناتج المحلي الإجمالي خلال الفترة من 2015/2016 حتى 2024/2025، وهو ما يؤكد تنامي دوره كأحد أعمدة الاقتصاد الوطني، خاصة مع تنفيذ مشروعات قومية ضخمة في مجالات الطرق والموانئ والسكك الحديدية والمراكز اللوجستية.
وتعزز قناة السويس هذه المكانة، إذ يمر عبرها نحو 12% من التجارة البحرية العالمية، ما يمنح مصر ميزة تنافسية استثنائية في جذب الاستثمارات المرتبطة بالنقل البحري والخدمات اللوجستية، فضلاً عن الصناعات والخدمات السياحية التي تستفيد من هذا الموقع الاستراتيجي.
كما تمتلك مصر 19 ميناءً بحريًا، تشمل 14 ميناءً قائمًا يجري تطويرها و5 موانئ جديدة قيد الإنشاء، في إطار خطة متكاملة لتحويل الموانئ إلى مراكز لوجستية ذكية تدعم التجارة الدولية وحركة السياحة البحرية وسفن الرحلات السياحية.
ويؤكد متخصصون أن تطوير الموانئ يفتح المجال أمام نمو سياحة الكروز واليخوت، إلى جانب تعزيز الربط بين الموانئ والمقاصد السياحية، وهو ما يزيد من فرص استقطاب شرائح جديدة من السائحين، خاصة مع تزايد الطلب العالمي على الرحلات البحرية.
وفي الوقت نفسه، يوفر القطاع فرصًا اقتصادية واسعة، حيث يستوعب 2.9 مليون عامل يمثلون نحو 8.7% من إجمالي المشتغلين في مصر، ما يجعله من أكبر القطاعات المولدة لفرص العمل، سواء بصورة مباشرة أو من خلال الأنشطة المرتبطة بالسياحة والفنادق والخدمات.
كما بلغت متحصلات النقد الأجنبي من خدمات النقل 9.4 مليارات دولار خلال العام المالي 2024/2025، وهو ما يعكس الدور المتنامي للخدمات اللوجستية في دعم موارد الدولة من العملات الأجنبية، إلى جانب إيرادات السياحة وقناة السويس.
ويستحوذ قطاع نقل البضائع على نحو 59.73% من سوق اللوجستيات، بينما يُتوقع أن تسجل خدمات البريد السريع أعلى معدلات النمو خلال السنوات المقبلة، بمعدل سنوي يبلغ 5.77% حتى عام 2031، مدفوعة بازدهار التجارة الإلكترونية والتحول الرقمي.
ويرى خبراء الاستثمار أن تكامل مشروعات النقل والموانئ والمناطق اللوجستية مع المشروعات السياحية الكبرى، مثل المتحف المصري الكبير، والعاصمة الإدارية الجديدة، ورأس الحكمة، والساحل الشمالي، يمثل عنصرًا حاسمًا في جذب المستثمرين العالميين، الذين يضعون كفاءة البنية التحتية في مقدمة معايير اختيار الأسواق.
ومع استمرار الدولة في تنفيذ الممرات اللوجستية، وتطوير الموانئ الذكية، وتعزيز الربط بين البحرين الأحمر والمتوسط، تبدو مصر في طريقها لترسيخ مكانتها ليس فقط كمركز إقليمي للتجارة، بل أيضًا كوجهة سياحية واستثمارية تعتمد على منظومة نقل حديثة تدعم النمو الاقتصادي وترفع القدرة التنافسية للقطاع السياحي على المستويين الإقليمي والدولي.
إقرأ أيضاً :

