كتبت- دعاء سمير – وكالات : لا تبدو المعركة المقبلة أمام السياحة المصرية مرتبطة فقط بزيادة أعداد الوافدين، وإنما بقدرة المقصد المصري على تحويل هذا التدفق إلى إنفاق سياحي أكبر وقيمة اقتصادية أكثر اتساعًا، في وقت تتزايد فيه مؤشرات الإقبال على مصر من الأسواق العربية والخليجية، بالتوازي مع توقعات بارتفاع إنفاق السائحين الأجانب خلال العام الجاري.
وأكد سامح سعد، معاون وزير السياحة الأسبق، أن مجلس السياحة العالمي يتوقع قفزة كبيرة في إنفاق السياح الأجانب خلال العام الحالي، مشيرًا إلى أن الإنفاق يقترب من 20 مليار دولار، وهو رقم يعكس – حال تحقق هذه التقديرات – تنامي الوزن الاقتصادي للسياحة المصرية وقدرتها على توليد تدفقات نقدية بالعملة الأجنبية.
وخلال مداخلة هاتفية مع الإعلامي أحمد سالم، مقدم برنامج «كلمة أخيرة» المذاع عبر قناة «ON»، أشار سعد إلى وجود إقبال سياحي كبير على مصر من الأسواق العربية والخليجية، مؤكدًا أن حركة السياحة إلى المقصد المصري تشهد نموًا ملحوظًا.
من «عدد السائحين» إلى «قيمة السائح»
وتكشف تصريحات معاون وزير السياحة الأسبق عن زاوية مهمة في تقييم أداء القطاع، تتمثل في ضرورة عدم الاكتفاء بقياس النجاح بعدد السائحين القادمين إلى مصر، وإنما النظر أيضًا إلى متوسط إنفاق السائح ومدة إقامته ونوعية المنتجات السياحية التي يستهلكها.
فالسائح الذي يقيم لفترة أطول، وينتقل بين أكثر من مدينة، ويستخدم الفنادق والمطاعم والنقل السياحي ويشتري المنتجات المحلية ويشارك في الأنشطة الثقافية والترفيهية، يحقق أثرًا اقتصاديًا أكبر بكثير من مجرد عدد الوافدين.
ومن هنا تصبح زيادة الإنفاق السياحي مؤشرًا أكثر دلالة على قدرة القطاع على تحقيق عوائد اقتصادية مستدامة، خصوصًا مع ارتباط السياحة بعشرات الأنشطة الأخرى، من الطيران والفنادق والمطاعم إلى النقل والتجزئة والصناعات الحرفية والخدمات الرقمية.
الخليج.. سوق سياحي يتجاوز موسم الزيارة
ويكتسب النمو في حركة السياحة العربية والخليجية أهمية خاصة بالنسبة لمصر، نظرًا للروابط الجغرافية والثقافية وسهولة الوصول، فضلًا عن تنوع المنتج السياحي المصري وقدرته على تلبية احتياجات شرائح مختلفة من السائحين العرب.
وتتمتع مصر بميزة إضافية تتمثل في تنوع أنماط الرحلات العربية، بين السياحة العائلية والترفيهية والشاطئية والتسوق والسياحة العلاجية والثقافية، إلى جانب السياحة المرتبطة بالمناسبات والأعياد.
ويعني ذلك أن تطوير الخدمات المقدمة للسائح العربي لا يقتصر على زيادة أعداد الوافدين، وإنما يمكن أن يتحول إلى رافعة لرفع متوسط الإنفاق السياحي، خصوصًا مع تنمية المنتجات الفندقية الراقية والخدمات الترفيهية وتجارب التسوق والمطاعم.
50 مليون سائح.. الهدف ممكن ولكن بشروط
ويرى سامح سعد أن مصر قادرة على جذب 50 مليون سائح سنويًا، لكنه شدد في الوقت نفسه على الحاجة إلى مزيد من العمل في الملفات اللوجستية.
وتعد هذه النقطة من أكثر الملفات حساسية أمام طموحات النمو السياحي؛ فامتلاك المقصد المصري آثارًا وشواطئ ومنتجات سياحية متنوعة لا يكفي وحده للوصول إلى عشرات الملايين من الزائرين.
فالزيادة الكبيرة في أعداد السائحين تحتاج إلى منظومة متكاملة تبدأ بالطيران والمطارات، وتمتد إلى الطرق والنقل الداخلي والربط بين المقاصد، ثم الطاقة الفندقية، والخدمات الرقمية، وسهولة الحصول على المعلومات وإنهاء الإجراءات، وصولًا إلى جودة التجربة داخل المقصد.
الطاقة الفندقية في قلب المعادلة
ويظل التوسع في الطاقة الفندقية أحد المحددات الرئيسية لتحقيق أي قفزة كبيرة في أعداد السياح.
فزيادة الوافدين تعني الحاجة إلى غرف فندقية جديدة بمستويات وأسعار مختلفة، بما يتناسب مع تنوع الأسواق المستهدفة، إلى جانب ضرورة توزيع هذه الطاقة جغرافيًا بحيث لا تتركز الاستثمارات في منطقة واحدة على حساب المقاصد الأخرى.
كما أن نمو الطلب السياحي يفتح فرصًا أمام الاستثمار في الفنادق والمنتجعات والشقق الفندقية والضيافة الريفية، فضلًا عن مشروعات الترفيه والمطاعم والخدمات المرتبطة بالسياحة.
اللوجستيات.. الحلقة التي تحدد سرعة النمو
ويبدو أن التحدي الأكبر أمام الوصول إلى 50 مليون سائح لا يكمن في الطلب وحده، وإنما في قدرة البنية الأساسية على استيعاب هذا الطلب.
فكل مليون سائح إضافي يعني مزيدًا من الرحلات الجوية، وحركة أكبر في المطارات، وحاجة إلى وسائل نقل أكثر كفاءة، ومزيدًا من الغرف والخدمات والمطاعم، فضلًا عن ضغط أكبر على المواقع السياحية والأثرية.
ومن ثم فإن التخطيط السياحي خلال السنوات المقبلة يحتاج إلى أن يتحول من مجرد استهداف أرقام للوافدين إلى بناء منظومة متكاملة تستبق النمو المتوقع وتوفر البنية الأساسية اللازمة له.
الإنفاق السياحي فرصة لتعظيم العائد
وإذا اقترب إنفاق السائحين الأجانب في مصر من 20 مليار دولار، فإن التحدي التالي سيكون تعظيم القيمة الاقتصادية لهذا الإنفاق، بحيث تمتد آثاره إلى أكبر عدد ممكن من القطاعات والمناطق.
وهنا تبرز أهمية تشجيع السائح على البقاء فترة أطول وتنويع برنامجه السياحي، بدلًا من الاكتفاء بزيارة مقصد واحد، مع تطوير منتجات جديدة مثل السياحة الرياضية وسياحة المؤتمرات والفعاليات والسياحة العلاجية وسياحة المغامرات والسياحة البيئية.
كما يمكن زيادة العائد من خلال تشجيع السياحة الثقافية وربطها بالمنتجات المحلية والحرف التقليدية والمطاعم المصرية، بما يجعل جزءًا أكبر من إنفاق الزائر يصل مباشرة إلى المجتمعات المحلية.
مصر أمام فرصة تاريخية
وتشير المؤشرات التي استعرضها سامح سعد إلى أن مصر أمام فرصة مهمة لتوسيع دور السياحة باعتبارها أحد مصادر العملة الأجنبية ومحركات التشغيل والاستثمار.
لكن الانتقال من نمو السياحة إلى طفرة سياحية حقيقية يتطلب التعامل مع القطاع باعتباره منظومة اقتصادية متكاملة، لا مجرد نشاط يعتمد على المقومات الطبيعية والأثرية.
فالوصول إلى 50 مليون سائح سنويًا قد يكون هدفًا طموحًا وقابلًا للتحقيق على المدى الطويل، لكن الطريق إليه يمر عبر المطارات والطائرات والفنادق والنقل والخدمات والرقمنة والتدريب، بقدر ما يمر عبر الأهرامات والنيل والبحر الأحمر والساحل الشمالي والمتحف المصري الكبير.
وفي النهاية، فإن الرقم الأهم في معادلة السياحة المصرية لن يكون فقط كم سائحًا وصل إلى مصر؟، وإنما أيضًا: كم أنفق؟ وكم ليلة أقام؟ وكم مدينة زار؟ وكم فرصة عمل واستثمار خلقها؟
وهنا تحديدًا يمكن أن تتحول قفزة الإنفاق السياحي إلى قفزة حقيقية في الاقتصاد المصري.
إقرأ أيضاً :

