كتبت – دعاء سمير : تراهن مدينة مليانة الجزائرية على ما تختزنه من تاريخ عريق وموروث ثقافي ومذاقات محلية مميزة لتعزيز جاذبيتها السياحية، في نموذج يبرز كيف يمكن للمدن التاريخية أن تحول معالمها التقليدية وأسواقها الشعبية إلى محرك لدعم الاقتصاد المحلي وخلق فرص جديدة للحرفيين وأصحاب الأنشطة التجارية.
ولا تقتصر قيمة زيارة مليانة على التجول بين أحيائها ومعالمها القديمة، بل تمتد إلى اكتشاف طبقات من الذاكرة التاريخية التي تجسدها الأسوار العتيقة والأبواب التاريخية، وما تحمله من شواهد على تعاقب الحضارات. وتمنح هذه العناصر المدينة فرصة لتطوير تجارب سياحية تجمع بين اكتشاف التراث العمراني والتعرف على العادات والتقاليد الجزائرية الأصيلة.
ويمثل حضور السياح والزوار متنفسًا اقتصاديًا للأسواق المحلية، إذ تنعكس حركة الزيارة على المطاعم التقليدية والحرفيين وباعة المنتجات الموسمية، لتتحول الرحلة السياحية إلى سلسلة من الأنشطة التي يستفيد منها المجتمع المحلي، بعيدًا عن اقتصار العائد على المعالم السياحية وحدها.
وتبرز المنتجات المحلية، وفي مقدمتها معجون السفرجل والفواكه الموسمية، بوصفها جزءًا من الهوية التي يمكن أن تميز التجربة السياحية في مليانة، خاصة مع تزايد اهتمام الزوار بالتعرف على الأطعمة التقليدية وشراء المنتجات المرتبطة بثقافة المكان. ويمكن لهذه المنتجات أن تشكل عنصر جذب إضافيًا إذا جرى تقديمها ضمن مسارات للزيارة وأسواق منظمة تتيح للزائر التعرف على طرق إعدادها وقيمتها التراثية.
كما تسهم السياحة في نقل صورة المدينة إلى خارج حدودها؛ فالسائح الذي يكتشف تاريخ مليانة ويتذوق منتجاتها ويتفاعل مع سكانها، قد يصبح حلقة وصل تنقل حكاياتها وثقافتها إلى وجهات أخرى، بما يدعم التعريف بها ويعزز فرص استقطاب زوار جدد.
ومن منظور الاستثمار السياحي، تتيح هذه المقومات فرصًا لتطوير جولات إرشادية داخل المدينة القديمة، وتنظيم فعاليات ثقافية وأسواق للحرف والمنتجات التقليدية، إلى جانب تشجيع المشروعات الصغيرة المرتبطة بالمأكولات المحلية والهدايا التراثية. كما يمكن أن يفتح تنشيط الزيارات المجال أمام خدمات إضافية، مثل الإرشاد السياحي والإقامة المحلية، إذا توافرت مقومات الطلب والبنية المناسبة.
ويظل الحفاظ على المعالم التاريخية وتنظيم حركة الزوار وتطوير الخدمات الأساسية عوامل مهمة لضمان استدامة هذا النشاط، بحيث لا تتحول زيادة الزيارات إلى ضغط على النسيج العمراني، بل إلى فرصة لتمويل صونه وتحسين ظروف العاملين في الأنشطة المرتبطة به.
ولا تتوافر في المعلومات المعلنة بيانات عن أعداد السياح أو أسعار الإقامة والجولات والمنتجات المحلية في مليانة، لذلك يصعب تقدير حجم العائد المالي الحالي. لكن الرهان الأهم يتمثل في تحويل التراث والأسواق والنكهات التقليدية إلى تجربة سياحية متكاملة تمنح المدينة حضورًا أقوى وتوزع ثمار النشاط السياحي على سكانها.
إقرأ أيضاً :

